بالأقصى ، وان التغيّب عن القريب مطمعة للبعيد ، وإن ابغض البعيد . وملاك ذلك : ان يجعل عيونا عليهم في أبواب صدقهم وبرّهم وأمانتهم وعفافهم وجزيهم وفضل غنائهم ، ليرفع إليك محاسن الأمور ومساويها في ما وافق الهوى أو خالف الرضا ، وكل ما يجب ان يصدر إليك من ظواهر حواجز الأمور وغوامضها ، فيكون العفو من الملك بعد القدرة . العقوبة بعد المعرفة . فانّ في محافظة الأمور في هذه الخصال داعية إلى صلاح السلطان ، وضبط الأمور ، وامن الرعية واطفاء النائرة ، وامن العثرة ، إن شاء الله تعالى .
فلما سمع انوشيروان ذلك من بزرجمهر ، أمر أن يحشى فوه بالدّرّ والياقوت بقدر ما يسعه ، ففعل ذلك به .
قال : واجتمع عند كسرى انوشيروان : بهسابور موبذان موبذ ، ويزدجرد رأس « 1 » الكتاب وبزرجمهر . فقال لهم كسرى : ليقل كل رجل منكم عشر كلمات من الحكمة ، لا نتفع بها في امر ديني وضبط سلطاني .
فقال الموبذان : خير الرجال أكثرهم أدبا ، واسخاهم نفسا ، واصوبهم مقالا ، وارحمهم إذا كان مسلّطا ، واقلّهم تطاولا عند القدرة ، واطلبهم لرضا العامّة ، وأحسنهم عند المنطق لهجة ، وابعدهم من الحقد ، واشدّهم تودّدا إلى الناس ، وابرّهم بالقريب « 2 » والبعيد ، واسرعهم إلى معونة الصادر والوارد .
فقال يزدجرد رأس الكتاب : أقبح الأشياء من كان في نعمة لم يدر ما قدر البلية . ومن لم يدر ما قدرها ، لم يرحم أهلها ؛ ومن طمع ، تاقت نفسه ؛ ومن تاقت نفسه ، سها عقله وفسد عيشه ؛ ومن فسد عيشه ، قلّ سروره ؛ ومن قل سروره ، كان الموت أروح له . ومن أراد معروفا ، فلا يطوله . ومن همّ . فليجعل أولى الأمور بالنجاح الالحاح . قد يمنع الظفر الظن ، ويتبع الظن التغيير . والكلام مصاد القلوب ، اللقاء شفاء الغليل ، التعصّب يمكن المنع ، الرفق سبب القدرة . ولكل مقام مقال ، ولكل زمان رجال .
فلما سمع القوم ذلك ، أعجبهم ما سمعوا من حسن منطقه وحكم كلامه وحلاوة لفظه ، فحسنت آمالهم فيه ، وعظم رجاؤهم له .
قال : فلما تمّ للملك كسرى انوشيروان اثنان وأربعون سنة ، مرض مرضته التي مات فيها ، فجمع اليه ولده وأهل بيته ، وامرهم ، فأجلسوه مستندا . فقال : يا قوم ! انّ الله قد استحكم لكم الملك ، ووطّألكم السلطان منذ زمان جدّكم اردشير بن بابكان ؛ فعرفتم مواقع النعمة التي أنعم عليكم ، وابصرتم منقلب الأمور الذي جعله لكم ، واستدللتم بما
هامش
( 1 ) . النهاية : رئيس
( 2 ) . تاريخ : إلى القريب