كان منه على ما يكون . فاستعملوا الآداب واطلبوها من مظانّها ، واعلموا ان حياة العقل الأدب ، كما أن حياة الحبّة التي تستودع في الأرض الماء . وهو الذي يحدث لها بإذن الله تعالى القوّة التّى بها زهرتها . فكذلك العقل انّما يحييه الأدب ، فهو مستودع من « 1 » القلب ، حتى يخرج ثمرته . وأكثر الناس علما اقلّهم في الأشياء شكّا ، وأفضلهم رأيا أكثرهم استشارة . واحزم الناس من كان لهواه وشهوته قامعا من نفسه ، وأضيعهم رأيا من كان لهواه متابعا . وأفضل ما شغل المرء نفسه ودأب عليه في ليله ونهاره ، طلب العلم . وخير العلم الاجتهاد ، ودفع المكاره عن النفس ، وطلب المعيشة من باب حلّها ، ومداراة الناس والاخذ بالحزم . جزّئوا ليلكم ونهاركم أربع وعشرين ساعة ، واجعلوا ساعة منها لطلب المعيشة ، وساعة أخرى للدعة والراحة ، واثنان وعشرين ساعة في طلب العلم . وليكن أكبر همّكم ونظركم وحديث أنفسكم في الساعة التي تحاولون فيها صلاح معائشكم .
واعلملوا : ان العقل بغير علم كالأرض ذات الشجر والنبت ، وهي سبخة قليلة الماء . والعلم بغير عقل كالأرض الجدبة التي ليس فيها غرس ولا نبت . فإذا لم تغرس وتحرث ، لم ينتفع بها .
واعلموا انكم لستم برعاية حقّ أحد من الناس بأحقّ من رعاية حقوق الوزراء المتحمّلين لثلاث خصال . اما واحدة « 2 » : فللذي تصيبون عندهم من فضل الرأي .
والثانية : فانّهم الفاتحون بينكم وبين الرعيّة .
والثالثة : لتحضيضهم الرعيّة على طاعتكم ونصحكم . والواجب عليكم ان تعلموهم انكم قد سمعتم منهم ، وقبلتم قولهم ؛ لتعلم الرعيّة استماعكم منهم ، وقبولكم قولهم ، فينزلوا بهم حوائجهم إليكم . وحقكم عليهم ان لا يدخروكم نصيحة ، ولا يألونكم اجتهادا في السرّ والعلانية . واعلموا ان الكلام رمية . فإذا نفذت ، لم تقدروا على ردّها . فزنوا كلامكم ، وتثبّتوا في مقالكم . ولا تبذلوا بشاشتكم لكلّ أحد ؛ فان الافراط في البشاشة ، ربما اعطب « 3 » الصديق السوء الذي لا تؤمن جرائره . ميّزوا اخلاقكم وبشاشتكم ، واحسبوا احسانكم . فادفعوا من ذاك لكل ذي حقّ حقّه . واما الوالدان فخفض الجناح والتملّق بالبشر والتكرمة ولين الجانب واما الحلائل ، فبذل الميسور والأمانة بالأنفس وبعض الطلف في غير ضعف ، واما الاخوة فالحبّ والقرب ، وبذل الأنفس والأموال دونهم ، والمؤازرة لهم في أمورهم ، والفرح لفرحهم والحزن لحزنهم . واما الولد فالآداب الصالحة
هامش
( 1 ) . تاريخ : في
( 2 ) . النهاية : واحدة
( 3 ) . يبدو الصحيح : اعقب