قاضيا ، فبقى القاضي سنة لا يأتيه احديحتكم اليه . فاتى الملك ، فقال : اعفني ! فانىّ آخذ منك الارزاق ، ولا يأتيني احديحتكم ، ولا نجد أحدا يتحاكم عنده ، ولا يحل . فقال له : أقم في عملك وارزاقك عليّ من بيت مالي لا من مال المسلمين فانصرف إلى منزله . فأتاه رجلان ، فقال أحدهما : انّى اشتريت من هذا أرضا ، فوجدت فيها كنزا من ذهب ، فسألته ان يأخذه ، فأبى ذلك ، وزعم أنه باعني الأرض بما فيها . وقلت له : انّما اشتريت الأرض ، ولم اشتر الذهب . فقال القاضي لأحدهما ، هل لك من ولد ؟ قال : نعم لي ابن . وقال للآخر هل لك من ولد ؟ قال : نعم ابنة . فقال : لصاحب الابن . زوّج ابنك بنت خصمك ، فيكون المال لكما . ففعلا ثم لم تزل الأمور بعد ذلك تتغّير وينقص الحبّ والثمر ، حتى صارت إلى ما ترون . فليت شعري ما عاقبة أمرنا ؟ فقلنا للشيخ انا نراك اصحّ عقلا من ابنك وابن ابنك ؟
فقال : اما ابن ابني فكانت له امرأة سيئة الخلق تؤذيه وتشق عليه ، حتى ذهبت قوته وعقله .
واما ابن ابني فكانت له امرأة . اصلح من امرأة ابني ، فبقى له بعض قوّته وعقله . واما أنا ، فكانت لي امرأة مؤاتيه معاونة مساعدة ، لم تسو ، ولم تؤذني قطّ ، فأبقى اللّه بها عقلي وقوّتى . قال : فانصرفنا عنه متعجبين .
رجع الحديث إلى خبر كسرى انوشيروان
قال عبد الله بن المقفع : وكان كسرى انوشيروان محبّا لأهل الأدب وذوى الحكمة والبلاغات ، مقرّبا لهمّ ، مجزلا بالجوائز والصلّات . وقد كان اختار من حكماء أهل مملكته سبعين رجلا ، فأمرهم بملازمة بابه ، وأسنى لهم الاجر ، وجعلهم عدّة له في ملكه وملهى « 1 » في وقت فراغ قلبه ، فكان ينشط لهم عند منافسة الحكمة ، ويفزع إليهم في تدبير المملكة وكان بزرجمهر بن البختكان نبغ في اوّل مملكته ، فاجتنى الآداب من مظانّها وطلب الحكمة من معادنها . ثم أعانه فهمه وغريزته وعقله وكمال لبّه . ولم يكن كسرى انوشيروان عرفه ، ولا علم ما عنده . وانّ كسرى جمع ذات يوم أولئك الحكماء بين يديه ، الذين اجتباهم لاجتناء الآداب وإثارة الحكمة ، فدخلوا جميعا اليه ، وفيهم بزرجمهر بن البختكان ، وهو حينئذ حدث السّنّ فطعموا . ثم أخذوا مجالسهم لمثاقبة « 2 » الحكمة بين يديه ، ومطارحات الآداب عنده . فأمرهم ان يظهر كلّ واحد منهم ما عنده من الحكمة البالغة والآداب النافذة ، وامر بتفقّد كلامهم ، ليعمل فيه آراءه ، ويتفرّغ للنظر في مخارجه .
هامش
له ملك من خمسين سنة .
( 1 ) . تاريخ : ملهينى
( 2 ) . تاريخ : لمناقشة ، النهاية : لمنافثة