من تواضع للمعلمين تعلم ، ومن ذل للعلماء ساد . لا تسارن « 1 » من فوقك ، فان ذلك سخفا منك . ولا تحقرنّ من دونك ، فان ذلك لؤم . العلم يرفع الوضيع ، والجهل يضع الرفيع . من عرف اللّه رغب في طاعته ، ورهب من معصيتة فلما سمع انوشيروان ذلك من بزرجمهر ، امر بكتب اسمه في أول أسماء أولئك الحكماء ، وامر له بصلة جزلة وقرّب مجلسه فوق مجلس أصحابه . ثمّ انّ بزرجمهر خرج من عنده بعد اثبات اسمه وارتفاع مرتبته ، فلما انتهى إلى مجمع الناس بباب الملك ؛ قاموا اليه معظمين له ، لما ظهر لهم من حكمته وكمال أدبه وذكاء عقله ، فسألوه ان ينشر عليهم من فضل علمه ممّا فيه داعية إلى طاعة الملك والقيام بما يجب من حقه ، فقال ان السلطان المقتصد المراقب لربّه راعى حق ، ولا يصلح خواص الناس وعوامهّم الا الاجتهاد في طاعته ، والمثابرة على أمره ومحبّته ، وحبّ من احبّه واخلاص النصيحة له ، وبذل المهج دونه ، وكتمان اسراره ، ونشر محاسنه والذّب باليد واللسان عنه وايثار مرضاته والتأتّى لموافقته وتقدير الأمور على محّبته ، وان كان ذلك مخالفا له ، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه وترك مواصلة من باعده وأقصاه فذو العقل من الرعية لا يحمله إساءة كانت من الملك اليه ، على الطعن عليه والاستخفاف بحقه ، والانتقام لحظه ، وترك مناصحته ، والتثاقل عن طاعته . ولا يبطر إذا أكرمه الملك ، ولا يجترئ عليه إذا قرّبه ، ولا يطغى إذا سلطه ، ولا يلحف « 2 » في سؤاله ، ولا يستثقل ما حمله الملك من امره ، ولا يتغّير له إذا سخط عليه ، ولا يدع المثابرة على ما يزداد قربه منه وأثره عنده ؛ فان أحدا لا يستطيع ان يصيبه بخير الا بما يوفق اللّه الملك .
لا يدفع عنه سوءا الّا بما يلهمه الله في الدفع عنه . فلما سمع الناس ذلك منه ، ازداد عندهم مهابة وعظم في أعينهم ، ورضوا بما قال ، وقبلوه حق قبوله ، واعملوه حق اعماله ، وحمّلوه أنفسهم .
وانّ كسرى ؛ فرغ نفسه ذات يوم أيضا ، لمنافسة الآداب واستماع الحكمة ، واجتمع اليه الوزراء ، والحكماء واشراف المرازبة ، وأمر بزرجمهر ان يتصدى لهم ، ليلقون عليه المسائل من الحكمة التي تنفع سامعيها ، وتزيد في عقول معلّميها . فسأل منهم سائل بزرجمهر ، فقال ما بيان القضاء والقدر قال بزرجمهر : بيانهما ان يرى العاقل مقترا عليه ، والجاهل الضعيف غنيّا موسرا . ثم سئل اىّ الناس أفضل ؟ قال : مجتهد في الخير ، ساعده القدر . وسئل : اىّ الخصال أفضل بالمرء وأجمل ؟ قال : وقار بلا مهابة ، وسماع بلا طلب مكافاة ، واجتهاد بلا طلب الدنيا . وسئل اى خصلة واحدة في الناس أفضل وأعظم عليه
هامش
( 1 ) . تاريخ : تسألن ، النهاية : تشارف .
( 2 ) . تاريخ والنهاية : يلح