تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
فتكلّم القوم جميعا بما حضرهم من جوامع الآداب وفنون الحكمة . فلما فرغوا من ذلك ، قام بزرجمهر بن البختكان ، فصدر امام الملك ؛ فقال : ان رأي الملك ، عمرّه اللّه ، ان يأذن لي في كلام . فانّ عندي حكمة ولي أدب ثاقب وعلم جامع ، أحببت ان أظهره للملك . فان الحكيم ليس بملوم في اظهار حكمته وابداء ظاهر آدابه « 1 » ومكنون علمه . قال كسرى : دونك ! فتكلّم ! قال بزرجمهر : انّ أفضل الكلام الايجاز ، والاكثار ضلال ، والباطل خيال . الدنيا سفرة والآخرة غاية . من يقلّ الحقّ يفلح ، ومن يعمى عن علمه يفلح عليه . لكل حقّ حقيقته ، ولكلّ انسان خلق وخلقة . فليلتمس من الأمور حقائقها ، وليجري الأمور على طرائقها ، وليعامل الناس على طرائقهم . واسّ « 2 » الأمور معرفة اللّه ، وعموده خوف اللّه وذروته طاعة اللّه . من يطع اللّه يرفعه ، من يتعزّز عليه يذلّه . القصد أقرب من التعسّف ، والكفّ أهون من التكلّف ، والتقدم أنجى « 3 » من التخلّف . أقرب العدة « 4 » ذو القرابة ، وأصدق الأصدقاء التصافى . وكن في الدنيا ببدنك ، وفي الآخرة بقلبك ، واجتز بما يجزى ، ولا تعن بما لا يغنى ، وايّاك ما تشتهي . الصدق قوه والكذب عجز ، والسرّ أمانة والجوار قرابة ، والمعرفة صداقة والعقل تجربة ، والخلق عادة ، والصمت زين ، السخاء غنى ، والشّح فقر ، والرفق لّب ، عداوة العاقل اسلم من موّدة الجاهل . القوىّ من عجز عمّا يضرّه ، والضعيف من قوى على ما لا ينفعه ، والغنىّ من غنى بقوّته . كن في التواضع في العلم كالجاهل ، وكن في الاقتصار في المنطق كالغنى « 5 » من العلم ما تحتمل من العمل ، واكتف من المنطق بالتغافل . وان غلبت على العلم ، فلا تغلبنّ على العمل . وان غلبت على المنطق ، فلا تغلبّن على الصّمت . فان الصّمت سبيل البلغاء ، وهو أجلب للمودّات ، وانفى للحسد . وإذا تعلمت علما ، فاحفظه . فان إضاعة العلم نسيانه . المجانبة تطلب العداوة وتمحق القديم . وليكن رغبتك في المال ، كرغبتك في إنفاقه في وجوهه ، ولا تكونن إنفاقه باقلّ حرصا من جمعه . فرّ من الجهل وأهله ، فانّهما كالجيفة ، من مرّبها لم ينج من ريحها . اعطاء العدل من نفسك بدون الرضا منك . ولا تجعل اذنك عالما القى إليها ، ولا يكونّن رضاك وغضبك بيدي غيرك . اقبل العذر ممّن يعتذر إليك ، ولا تتكلّم الا بما ينفعك ، فتكون كالمرسل سهمه ؛ ولا تطلب الأمور مدبرة ، ولا تطمع فيما ليس لك ، فان ذلك مفتاح الفقر . اليسير يجزى من الكثير ، والكثير لا يغنى من القليل .
هامش
( 1 ) . تاريخ : إبانة إظهار أدبه . ( 2 ) . تاريخ : رأس ( 3 ) . النهاية : أنمى ( 4 ) . تاريخ : العدوّ ( 5 ) . ص : كالعينى ، النهاية : كالعى ، تاريخ : الغنى في