أعناقهم . فقالا : ايّها الملك استبقنا لندّلك على الطريق الّذى تريد السلوك فيه ، فإنا من اهدى العرب به ؛ فاستبقاهما ، وعفا عنهما ، وجعلهما دليله . ثم سار في العدة والعدد والخيل والسلاح . فلما دنا من مفرق الطريقين . طريق مكة وطريق الطائف ؛ قال ذو نفر ملك همدان لنفيل سيد خثعم : كفى بناعارا واثما ، ان ننطلق بهذا الأسود إلى بيت الله الحرام ، فيهدمه . قال نفيل ، هلمّ بنا لننكّبه عن طريق مكة ، ونأخذ به إلى الطائف فنشغله بذلك ؛ ولعلّه ان تصييه ثقيف ما يسؤه من محاربتهم ايّاه ، فيشتغل بذلك عن مكة والحرم . قال ذو نفر : هذا هو الرأي السديد يا أخا العرب . فتركا طريق مكة وأخذا به نحو الطائف . فلم يشعر أهل الطائف صباحا الا والجيوش قد توارّدت عليهم . فخرج أبو مسعود الثقفي ، سيد ثقيف في نفر من قومه ، حتّى استقبلوه ، وقالوا : أيها السيّد الملك ، ان البيت الذي تريده ليس هذا طريقه ، وانما اتيت من دليلك ما تراه . فقال الملك لذي نفر ونفيل : ما حملكما على ترككما الطريق الذي أريده ، واخذكما لي إلى هاهنا ؟ قالا ايّها الملك ، انّ هؤلاء أعداؤك ، فخفنا ان يأتوا من ورائك ، وأحببنا ان تبتدئ بهم . فإذا فرغت منهم ، صرنا بك إلى مكة . فصدقّهما وأقام يومه ذلك بالطائف في جنوده وعساكره ، وأقام له أبو مسعود النّزل . ثم سار من الطائف نحو مكة . فلما انتهى إلى حّد الحرم ، نزل بمعسكره ، ومضى صاحب شرطته الأسود بن مصفور « 1 » في مائة فارس من الحبش ، حتّى اقتحم الحرم ، واستاق جميع ما كان فيه من الإبل السوائم والغنم ، وكان فيما استاق من الإبل مائة ناقة لعبد المطلب بن هاشم . وبلغ ذلك عبد المطلب ، فركب فرسه ، واقبل نحو معسكر الحبشة ، حتى دخله . وسأل عن ذي نفّر ونفيل ، وكانا له خليلين وصديقين . فدلّوه على مضربهما . فأقبل حتى أتاهما ، وقال : هل أنتما مكلّمان الملك ان يردّ على مائتي ناقة لي سيقت بين الإبل التي استاقها صاحب الشرطة ؟ قالا : وما الذي يمكنا من ذلك ، وانما نحن أسيرين في يده ، لا ندري ما يثبت « 2 » بنا . فانطلق معنا إلى سائس الفيل ، فإنه لنا صديق ، لنكلّمه في حاجتك . فأقبلا ، حتّى ادخلاه على سائس الفيل ، وقالا له : انّ هذا عبد المطلب سيّد العرب الذي يطعم الناس في السهل ورؤوس الجبال ، فما فضل عنهم ، خلّاه للطير والوحش . وقد أتاك لتكلّم له الملك في مائتي ناقة سيقت له من الحرم ، ان يهبها له .
فانطلق سائس الفيل ، حتّى دخل على أبرهة ، فأخبره بأمر عبد المطلب ، وسأله ان يأمر برّد فامر أبرهة بادخال عبد المطلب اليه . فلما دخل ؛ نظر اليه أبرهة ، فريع « 3 » لما رأى من جماله ،
هامش
( 1 ) . تاريخ : منصور
( 2 ) . ص : يتب ؛ ويبدو الصحيح : ما يبتّ
( 3 ) . الصحيح : ريع