وقرب النجح إجالة الفكر . وفي إجالة الفكر استخراج الفطن ، وفي مشورة العلماء استجماع الحزم . فآجل الرأي قبل أن تعزم ، واعزم قبل ان تصرم ، ودبر قبل ان تهجم ، واحتل « 1 » قبل ان تقدم . فالمغلوب من غلب على الرأي ، وأضاع « 2 » المشورة ، وهلك بترك الروّية وبسوء التدبير . والله الموفق لرشده وسداده . وقد جمعت لك يا بنيّ أصول الرأي ، وغصون الأدب ، وفروع النظر ، ومنابت الفكر ، وجماع ما تفعل ، ودعائم الفطن ، ومصائد المكائد ، ومتّصرف الحيل بعدى ، بتمام نعم الله علىّ فيك ، وتناهيها إلى سعادتك ، فتدبّر عهدي إليك بفراغ من لبّك ، واحتمال من عقلك ، وصحيح من ذهنك ، واستجماع من حلمك ، وحاضر من فهمك . وحصّن نفسك من سيلان الهوى ، وملابسة الشهوة ، وصوغ الخديعة . فقم « 3 » بذلك أبواب السداد ، وتكّرع في مشارع التوفيق ، وتسلك مناهج القصد . وانا استخلف الله عليك ، واستحفظه نفسك واستودعه ملكك ، انّه ولىّ قدير .
ثم هلك قباد ، وكان ملكه مع سنى ملك أخيه جاماسف ثلاث وأربعين سنة . فأخرج موبذان موبذ الكتاب ، فقرأه على كسرى في مجمع من جميع المرازبة والوزراء وأصحاب المراتب والولايات . فلما فرغ من قراءته ؛ قام كسرى فيهم خطيبا ، ودموعه تسيل على خدّيه ، حزنا منه على مصابه بأبيه ، فقال : ايّها النّاس انّ احرى ما استوحشت العامة منه ، فقد ما يتخوّفون لفقده زوال العدل منهم ، وحلول المكاره بالأفضل فالأفضل منهم في نفسه ، وحميمه ونفيس ماله . وانّا لا نعلم وحشة اجلّ عند العامّة من فقد ملك صالح قد تعرّف منه المّبرة والرحمة . واختبرت منه الرأفة والمعدلة ، فصار كالوالد الشفيق بولده ، والأخ الودود لأخيه ، وكالصديق المواسي لصديقه . وانّ فقد الوالد الشفيق وفقد الرجل الأخ الودود والصديق المواسي أيسر رزءا من فقدان الملك الصالح ذي البّر والمرحمة السائس للرعّية بالمعدلة . وانّ الملك قباد قد عرفتم الذي نالكم من كريم مملكته ، وما شملكم من حسن نظره ، واستفاض فيكم من فضل « 4 » تحيّته ، وعمّكم من فضل رعايته ، وجادلكم برأفته وعطفه وبذله وجوده ، متحرّيا في ذلك رضا ربه . وقدمات وانقطع اثره ؛ فكونوا في الحزن عليه أحد ثلاث : امّا حزنتم لما نالكم من حسن سيرته وعفاف طعمته وفضل سياسته . وامّا حزنتم عليه لقوّته التي كانت على ضبط ملكه ، وحماية رعيّته ، وإذلال أعدائه من المتسلّطين على ارضه ، فخفتم كلب العدو عليكم ، وفسادهم في أرضكم عند
هامش
( 1 ) . النهاية : واحتمل
( 2 ) . النهاية : وأطاع
( 3 ) . تاريخ : فتم
( 4 ) . تاريخ والنهاية : حسن