تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
رأيت تؤخر يومك هذا إلى غد ، فافعل قال له أبوه : لا عليك ، يا بنّى ، الا ان يكون في بيتك الّا ما حضر من الطعام والشراب . ثمّ امر ، فحمل إلى منزل أبيه آلة الصيد ، وامر ابنه كسرى ، فركب معه ، لينظر إلى فروسيّته وحسن رميه . فطلب قباد بنفسه الوحش ، فاقتنص منها كثيرا . وامر ابنه كسرى فطلب عانة منها ، واتبعه أبوه ، لينظر إلى علمه . فاقتنص كسرى أحسن اقتناص ، ورمى أحسن رمى بمنظر أبيه وسائر من كان معه من الاشراف . فعجبوا من حسن رميه وفروسيتّه . فأمر قباد بتصوير ابنه كسرى على الهيئة التي اقتنص فيها في إيوانه ، حتى إذا حان وقت الغداء انصرف قباد في من كان معه من العظماء والاشراف إلى منزل ابنه كسرى ، فطعموا وشربوا وتنّعموا يومهم ذلك ، وطابت نفس قباد عندما عاين من حسن هدي ابنه كسرى وهيئته . فقال له : با بنيّ انّه يحّق علينا ان يكون طاعتنا له ومراقبتنا له واجتهادنا في الخيرة لمن يقوم بالامر من بعدنا بحسب ما خولّنا وأعطانا . فانّا متى قصرنا في ذلك ، كانت الحجّة لنا ألزم ، والعين الينا اسرع . فانظر يا بنّى كلّ ما تلقى إليك من كلام الأدب فتدّبره ، واعمل رأيك فيه ونظرك له . واعلم يا بنّى انّ خير ما طبع عليه الانسان النزاهة ، وطيب الطعمة ، والحلم عند القدرة ، فعليك بالتمّسك بذلك ، ولزوم الآداب الصالحة والمحافظة عليها ، واقمع نفسك عن طبائع السوء ، ووطنّها على محبّة الناس وحملها عليه والاجتهاد في اسداء الخير إليهم واصطناع المعروف عندهم . وقالوا أيضا : ان من شقوة الانسان بغضه للناس ، ومن اسعاده حبّه لهم ، واخلاص نيته فيما أمكنه من ارفاقهم ، وجرّ المنافع إليهم . وأنت يا بنّى بهذا كله عارف ، فاستعمل معروفك وتحرّ « 1 » كل ما فيه القربة إلى الله ، والمحمدة إلى الناس . وليكن تقرّبك إلى الله ووسيلتك اليه المحّبة للناس ، وابتدل نفسك في اجترار الخير إليهم ، وشكر ذي البلاء والجميل منهم ، وسيّما خاصتّك وأهل بيتك وخولك وخدمك . واعلم يا بنّى : انّ الملك انما يثاب ويشكر على ثلاث خلال : حسن موأتاته للناس ، واستماعه كلامهم باختيار وتمييز ، واستعماله العفو عنهم . فاما المؤاتاة ، فيعمّ بها من لم يكن من رعيّته فضلا عن رعيّته ، فان ذلك من الملك مكرمة وشرف . وامّا الاستماع من وزرائه وولاته ، فمشكور . واما العفو فعمّن استوجب العقوبة فضلا عمن لم يستوجبها . واعلم يا بنيّ ان أسعد الناس أكثرهم صديقا ، ولا سيّما الملوك ولا ينبغي ان يتّخذ الصّديق الا بالاختيار « 2 » واستعمال الصفح عن زلّاته ، والشكر على احسانه . ولا تجشّمن
هامش
( 1 ) . النهاية : والزم ، تاريخ : تحركها فيه . ( 2 ) . النهاية : بالاحسان