فأقام في دار ملكه ما شاء الله ، تعالى ، ان يقيم . ثمّ استعد وخرج في مائة الف رجل من جنوده غازيا إلى ارض الجزيرة ، وكانت في أيدي الرّوم ، فغلب على مدينتى آمد وميّافارقين ، وسبى أهل هاتين المدينتين رجالهم ونساءهم ، وانصرف بهم نحو ارضه . وامر فبنيت لهم مدينة في ما بين فارس والأهواز ، وأسكنهم بها ، وسماها آمد قباد « 1 » . وكورّها كورا ، وجمع لها رساتيقها من كورة رامهرمز ، ومن السهل من كورة سابور واردشير خرّه ، وهي التي تدعى ارجان . وكور أيضا كورة بميسان ، وجعل لها اربع طساسيج : فيروز سابور « 2 » وهي الأنبار ، وكان منها هرب ، وعانات فأوغرهما « 3 » يزيد بن معاوية بن أبي سفيان حين ملك الجزيرة وطسوج بادرايا وطسوج قطر بلّ وطسوج مسكن . وكور أيضا كورة بهقباد العالي ، وصيّر لها ستة طساسيج : طسوج النهرين وطسوج عين التمر وطسوج خطرنيه « 4 » . وكور كورة سمّاها بهقباد الأوسط . ووضع لها أيضا خمس طساسيج : طسوج بادفلى وطسوج شامجان وطسوج الجيزة وطسوج هرمزد خره ، وكور كورة حلوان ، وسماها ابر نسا فيروز قباد . وقطع أصبهان شقين : شق جى ، وشق الثره . وكان لقباد عدة بنين ، ولم يكن آثر عنده من كسرى انوشيروان « 5 » ، وهو ابن الاصبهانية ، لخلال حمدها منه واحبّها : منهن محبته للآداب ، وجمعه صنوفا من الحكمة والعلوم ، ومنّهن شدة استبرائه للأمور ، وطلب استقرارها عنده على حقائقها ، وفروسيته ، وجودة رميه ، وحذقه بركوب الخيل . فعزم على اسناد الملك اليه من بعده ، ووضع عليه عيونا يأتونه بخبره ، لينظر ما يتناهى اليه من سيرته وطريقته . وكان لا يزال يمتحنه ، بما يمتحن به الرجل الرشيد الحازم .
وكان لملوك العجم علامات معروفة ، وكان الملك منهم يفتّش عن أموره من أولاده .
فمن كانت فيهم العلامات ، اسند اليه الملك من بعده . فمن تلك العلامات : الحكمة ، وكظم الغيظ ، والصدق ، والوفاء ، والسخاء ، والحياء ، وحسن الظن والبشر الحسن . فكانت هذه العلامات السبعة يطلبها الاباء من الأبناء إذا أرادوا استخلافهم على ملكهم . وانّ قباد قال لابنه كسرى انوشيروان : انّا جاعلون عندك غداءنا ، وانّما احبّ ان يعرف شيمته وطرائفه ، ويعرف حسن تأتّيه للأمور من غير أن يأخذ لها أهبته . فقال لأبيه ، عمّرك الله ! ان
هامش
( 1 ) . حمزه أصفهاني 51 : آمد قباد ، الطبري 877 : رام قباد
( 2 ) . ص : قبر سابور ، النهاية والتاريخ : قبر سابور ، الطبري 839 : برزج سابور وهي الأنبار ، حمزه أصفهاني 45 ومجمل التواريخ 64 : فيروز يا پيروز شاپور وهي الأنبار
( 3 ) . النهاية : وعنانات وغزاهما
( 4 ) . طبري 2 : 52
( 5 ) . ينظر : مروج الذهب : 1 / 290 - 295