من حكماء العرب وعقلائهم ، وامرهم بملازمته في ليله ونهاره ، ليعي من حكمتهم ويأخذ من عقولهم . ووقّت المنذر لهؤلاء المعلّمين ، لكّل رجل منهم وقتا معلوما . فتفرغ بهرام للتعلم والاستماع من أهل الحكمة . ومهر كلام العربية بأفصح كلام ، واحكم الفارسية ، حتى مهر بها . فجعل يعي كل ما علم وسمع ، يتفقه « 1 » كلّ ما علم بذكاء قلبه وحسن فهمه فواظبوا عليه سبع سنين ، وذلك عند بلوغه اثنتي عشرة سنة ، فاستفاد كل ما أفيد ، وحفظ كل ما علم ، حتّى اعترف له المعلّمون . فشكر بهرام المنذر ، واجتهاده في مرضاته ، وتوخّى مسرتّه ، وأحسن الثناء على معلّميه ، وحمد ما كان منهم في امره ، وأجزل صلاتهم ، وردّهم إلى أماكنهم . ولم يقصّر المنذر في برّهم واكرامهم وحسن جوائزهم . فقال للمنذر ان رأيت أن تفرغنى الان لآداب المقاتلة . فان الملوك اليه أحوج من غيرهم ، وبه لملكهم اضبط ؛ فجمع المنذر اليه نفرا من معلّمى رمى القسي الفارسيّة والعربيّة جميعا ، ومعلّمى ركوب الخيل والفروسيّة . فأقبلوا على بهرام بجدّ واجتهاد ، حتى صار ماهرا بالرّمي والنشاب والنبل جميعا ، فلا يخطئ في نشابه ولا رميه بنبله . فقال للمنذر ذات يوم : ان رأيت أن تأمر من بحضرتك من العرب بحضور خيلهم من الذكور والإناث لاختار منها ما احبّ فاشتريه . قال المنذر : يا بنيّ ، ليس بك حاجة إلى احضار خيل العرب ، وهذه افراسى وارماكى ، اختر منها ما شئت فشكر بهرام من المنذر ، فأمر باحضارها جميعا . فأجريت بين يديه ويدي بهرام . فلما حضرت بين يديه ركب المنذر وبهرام ، وسرحت لهما الأفراس من فرسخين . فبرز للمنذر فرس أشقر ، وآخر أدهم مصليا حتى سبقت خمسة أفراس من افره خيول المنذر ، فجعلها لبهرام ، وقال :
بارك الله لك فيها يا ولدى . فقال : بوركت يا عمّ ، وجزيت خيرا . فاشتّد سرور بهرام بذلك ، فشكر للمنذر وعنده وجوه قومه واشراف العرب . ثمّ قال للمنذر ذات يوم :
عظمت منتّك عليّ ، وبالغت في أياديك عندي ، فاحبّ ان تتمّ ذلك في ما أسألك ، فإنه لا غناء بي عن كل شئ أنال به سرورا ولذة . وان أفضل سرور المرء لذّته ، وهي المباشرة للنساء ، وانّ المباشرة لهّن مع ما فيه من اللّذة سبب للتناسل . فأحبّ ان تأمر لي بشري جاريتين وضيّتين ملهيتين ، أنال منهما جماعا وسماعا ، ولعلي أصيب منهما نسلا ، وان كان التدبير في ذلك وغيره إلى الله ، عزّ وجلّ ، وعلىّ . فلما سمع المنذر من بهرام ذلك ، وجّه رجلا من ثقاته في شرى جوار أربعة ، جوار وضيّات مغنيّات ملهيات « 2 » . فأتى بهّن بارعات الجمال كحلات غنجات . فدفعهنّ إلى بهرام . فازداد بهرام للمنذر شكرا ، وأكثر له من
هامش
( 1 ) . النهاية : يتفقه ، ص : يتفف ، تاريخ : يثقف
( 2 ) . تاريخ : ملهيات بالاضطراب