تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
والى جنب « 1 » القصر غدير ماء يطفح « 2 » بالماء الزلال . فقلت لأصحابي : انزلوا بنا على هذا الغدير ! فنزلنا ، ثم أتوا بأطايب الطعام . فأتانا غلام من أجمل ما يكون من الغلمان ، وعليه لباس أحسن ما يكون . فلسم علينا ، وقال : ان والدي يقرئكم السلام ، ويقول لكم لولا شغلي بعرس لنا لآتيتكم مسلما عليكم ، قاضيا لما يجب من حقكم . فانّا نحب ان تتحّولوا الينا ، فتقيموا عندنا يومكم هذا وغدا وبعد غد ، ليبلغ من برّكم واكرامكم حسب الواجب . قلنا : حيّاه الله وحيّاك من ولد ، ابن من أنت ؟ قال : جروك « 3 » بن عمرو بن عبد عمرو الغساني من آل جفنة من ملوك غسان . فقلنا للصبيّ : انطلق اليه ، واقرأه السلام وقل له : قد تفضلت وأحسنت وقضيت ما عليك ، ونحن سائرون لا يمكننا المقام . فانصرف الفتى إلى أبيه ، وارتحلنا من ساعتنا مخافة ان يحبسنا عنده . وسرنا حتى أتينا ملك الروم ، فأبلغناه رسالة أبي بكر ، فلم يجب إلى شئ فآذنّاه بحرب وانصرفنا ، حتى أتينا أبا بكر ، فأعلمناه ذلك . فندب أبو بكر المسلمين ، فاستجاش قبائل العرب ، حتّى اجتمع عنده ثلاثون ألفا . فولّى عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح ، فسار بهم ، حتّى وغل في ارض الشام . فأقام عليها ، حتّى افتتحها ، ونفى عنها ملك الروم . قال : فمكث بعد ذلك ما شاء الله . فلمّا ملك معاوية بن أبي سفيان ، وجهّني إلى أنطاكية في بعض أموره . فسرت إليها ، وسلكت ذلك الطريق الذي سلكته اوّلا ، حتى انتهيت إلى ذلك القصر ، فإذا هو خراب قد تهّدم ، وصار كهيئة التّل ، وذلك الغدير الذي نزلنا على حافتّه قد اندثر ، ولم أر أحدا هناك أسأله عن شئ . فبقيت مبهوتا انظر يمينا وشمالا ، ووقع بصرى على عجوز عمياء ، فأتيت نحوها . فلما سمعت حسّى ، قالت : يا هذا أسألك باللّه الا ما أمسكت عنّى قليلا . ففعلت ، فدخلت ثقبا . ثم قالت : ما لك ، عافاك الله ! وما قصتّك ؟ قلت : من أنت ؟ فقالت :
انا الدلفاء « 4 » بنت الملك جرول * بنت من لم يزل ينيل ويفضل بيت قومي ينتمي إلى الحّي غسان * ذي الحلم والنهى والتفضل
فلما سمعت منهما هذا الكلام ، لم املك نفسي ان بكيت . فقلت : يا هذه ، كفّى ! فقد و
هامش
( 1 ) . النهاية : جانب . ( 2 ) . تاريخ : يصفح . ( 3 ) . الصحيح : جرول ( 4 ) . تاريخ : الرلفاء