فلما فرغتا من غنائهما ؛ تبسم ، وقال : هكذا يا تميم كنّا في طول دهرنا ، ثم انحدر الطيران عن رأس الجاريتين أحدهما إلى الجام الذي فيه المسك ، وجعل ينثر في وجه خالد ، ودخل الاخر الجام الذي فيه ماء الورد ، فرشه في وجهه . وكانا ادّبا على ذلك . ثم قال : ما فعل حسان بن ثابت ؟ قلت : كفّ بصره . فشق ذلك عليه . فأمر خادما كان على رأسه ، فأتاه بأربعمائة دينار ، فناولنيها ، وقال : إذا أتيت المدينة ، فأوصلها إلى حسان . قال :
ثم ودّعته ، وخرجت حتّى اتيت معاوية ، فأبلغته رسالة قيصر . وخرجت من الشام ، حتّى دخلت المدينة ، فلقيت حسان ، فسلمّت عليه . فقال : من أنت ؟ فقلت : تميم بن بشر . فقال :
كيف أنت يا بن أخي ، اين كنت ؟ قلت : بأرض الروم برسالة أرسلني بها معاوية إلى قيصر ملك الروم . قال : هات ما بعث به إليّ على يديك ! قلت : وما يدريك انّه بعث إليك على يدّي شيئا ؟ قال لانّي كنت آتيه في ملكه ، فيصلني بالكثير ، ثم عاهدني ان لا يلقى أحدا يعرفني ، الا وجّه اليّ على يده شيئا . فدفعت اليه الدنانير ، وأنشأ يقول :
لم ينسنى بالشام إذا هوربّها * يوما « 1 » ولا منتصرا بالروم
يعطى الجزيل فما يراه عندنا * الا كبعض عطية المذموم
حديث جرجيس
قال الشعبي : أخبرني عبد الله بن سلام ، قال : كان في آل جفنة ملك من آل جفنة ترك « 2 » دين آبائه الذي كانوا عليه من دين النصرانيّة ، ورجع إلى دين العرب وعبادة الأصنام ، فتجبّر وعتا عتوّا شديدا ، وحمل قومه من غسان وسائر عرب الشام على عبادة الأصنام ، وقال لهم : انّ هذا دين آبائكم الّذى لم يزالوا عليه ، والدين الذي عليه العرب إلى اليوم .
فكان بالشام في ذلك الزمان رجل صالح يقال له جرجيس على دين عيسى بن مريم ، عليه السلام . وكان عابدا مجتهدا . بلغه ترك الملك دين النصرانية ودخوله في دين العرب وعبادة الأصنام ؛ رأى أن يأتيه فيدعوه إلى خلع الأصنام والرجوع إلى دين عيسى بن مريم .
فأقبل حتى دخل عليه ، فقال له : أيها الملك الجبّار العاتي ، ما حملك على ترك دين آبائك من ملوك الشام وما كانوا عليه من دين عيسى بن مريم روح الله وكلمته ، وعبادتك
هامش
( 1 ) . في الأغاني : 15 / 163 : « كلّا » ؛ وفي العقد الفريد : 2 / 62 : « ملكا »
( 2 ) . تاريخ : نزول عن