التي لا ماء لها . واعلموا يا بنىّ ان في الرعية ضرب من الناس هم وشاة السلطان ، وبعضه أسرة منهم بتفتيش أحوالهم وحادثات الاخبار التي يطرب إليها أوغاد الناس ، وأطرفها عندهم ما كان مشتهرا . فليس لأولئك دواء أفضل من التهاون بأمرهم . وفي الرعية ضرب تركوا اتيان السلطان من بابه وأتوه من قبل وزارته ، فآثروا بذلك الوزراء على الملوك .
فأولئك لا لوم عليهم ، لان الوزراء عندهم أسهل مدخلا من الملوك . وفي الرعية ضرب اظهروا التواضع واستشعروا للصبيان الكبر . فالرجل منهم يعظ الناس زاريا عليه بالمواعظ التي ينسبها إلى الحيف « 1 » والجور ، كذلك أسهل طريق طعنه عليه ؛ وإذا أراد السلطان معاقبتهم ، لم يجد عليهم في ذلك سبيلا . وان قّربهم ، وأكرمهم ؛ فتلك منزلة حبوابها أنفسهم على رغم السلطان ، وقالت العامّة : ان الملك استقل بما عندهم من حفظ الدين . وان أمروا بالكلام ، تكلّموا بما فساده أكثر من صلاحه . فأولئك أعداء الدين ، وآفات الملوك « 2 » . والثاني تقريبهم إلى الدنيا ، فانّهم إذا تلوّتوا ، بدت نصائحهم للملوك ، وكفوّا عن الأداء عليه . وفي الرعية قوم أتوا به من أبواب النصائح ، فالتمسوا بذلك صلاح من منازلهم بفساد منازل الناس ، فأولئك أعداء السلطان وأعداء الرعيّة . ومن عادى السلطان ، فقد عادى نفسه ؛ ومن عادى الرعّية ، اجتلب المقت من ربّه . واعملوا : ان الدهر حاملكم على طبقات : منها حال السخاء ، حتى يدنوا من الخّفة ، فينبغي للملك ان يتنقّى من كل طبقة محاسنها ، حتى يبلغ الحدود التي لا غاية له بعدها ، ثم يحسم نفسه عماوراء ذلك . ولا بد للملوك ان يعرض لهم بعض شهوات الأمور في عمر « 3 » ساعاتها . فالواجب عليهم تقديم ساعات العمل على ساعات الفراغ « 4 » ، وساعات المطعم والمشرب وساعات اللهو واللذّة فإنه إذ قسم ساعاته على ذلك ، كان حازما . وفي اختلاف ذلك مضرّة ، فانّ أحدهما الدنّو من السخف يتفاوت الأمور على أوقاتها ، والأخرى مطعنة يطعن الناس عليه فيها . واعلم أن من الملوك من سيظن « 5 » ان له الفضل على من كان قبله من آبائه وأوليائه لبعض استقامة يعطاها في ملكه . فإذا قال ذلك ، ساعده عليه وزراؤه بالمتابعة فيه . فينبغي ان يعلم هو ومبلغوه ان ذلك من دواعي السخف . ولربما أوتى الملك الاستقامة مع ضعف بخبره « 6 » وضعف سلطانه . وينبغي للملوك ان لا يكون للفراغ عندهم موضعا ، وكذلك الرعية ، لان التضييع في فراغ الملك ، وفساد المملكة في فراغ الرعية . وانّ الملوك على فضل قوتّهم
و
هامش
( 1 ) . تاريخ : الحنق
( 2 ) . تاريخ : وفات العالمين
( 3 ) . به عربى ترجمه كنيد
( 4 ) . تاريخ : قبل الفراغ
( 5 ) . تاريخ : سيطعن
( 6 ) . تاريخ ، يجبره