تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
المحقّين الفلح ، وجعل لهم العواقب الحميدة إلى من بلغه كتابي هذا إلى ولاة الطوائف سلام عليك بقدر ما تستوجب بمعرفة الحق وايثار الباطل والجور . اما بعد ، فان احقّ ما شغل المرء نفسه ، وعنى بإقامته وتثبيته ، وصحّ فيه رأيه ونيتّه ، ما كان فيه نفي الظلم وطلب للحق ؛ وان من أجاب الداعي إلى ذلك ، وسارع إلى مؤازرته ، وخفّ في طاعته ، واستجاب إلى مكانفته ومعاونته ، ووعى ما فيه ، تبيين العدل وسننه ، وطرق الانصاف ونهجه ، واجتياح الظلم من أصله ، ونفي الجور ؛ وان العماد لمن دعى إلى ذلك ، وقام معه ، ووازر « 1 » عليه ، وبذل نفسه دونه ، ليشاركه في الأجر ، وينال أحسن الأجر ، ويدرك معه الذّخر ، ويدرك معه وافي الحظّ . وانى نظرت في مملكة آبائي وما عليه حالهم في دينهم ، وما هم فيه من اختلاف أهوائهم ، فوجدت ذلك كله فاسدا ، قد ظهرت فيه البدع وكثرت فيه الفتن ، ونشأ فيه الحسد ، حتى صارت العصا بعد التيامها شققا ، والدين بعد استحكامه واهيا ، والملك بعد توطيده منازعا ، والعدول بعد استخفائه ظاهرا ، والبيضة بعد امنها خائفة ، فلم يزل ما تبيّن لي من ذلك غائضا ، وما ظهر إلى منه كاظما ، يكابدني مضضه ، وكدّر عليّ عيشي غضاضته . فرأيت أني اصرف همي ونظري واحتيالي إلى اصلاح ذلك وقوامه ، واجعل استجماع ما تفرّق منه ، وانظم ما وهي من عراه . وعلمت انّ ذلك هو الامر الذي لا يفسده شئ مع قوامه ، ولا يهن امر مهن نظامه ، وذلك انّ النّاس لو كانوا جميعا على امر واحد من السنّن والدين ، وكان ملوكهم كثيرا ، ومن يلي أمورهم اشتاتا ؛ لم يلبثوا ان تتفرّق آراؤهم ، وتتشتّت أمورهم ، كافترار « 2 » ملوكهم ، وتشتّت سلطانهم ، ولن يثق كل امرئ منهم إلى ما في يد غيره . وسيمّا إذا حسّ بعضهم من نفسه قوّة على صاحبه ، وكان غير موثوق اليه في صلاح الناس ، ان كان مفرطا في الحرص والشره ، أو كان معتقدا للفجور والزنا ، أو كان ذا شراشة والحاح ، أو كان بعيدا من الرحمة للناس ؛ فان هذه كلّها مخالفة لدوام السلطان ، مجلبة اليه الضرّر والفساد . واستبان لي ذلك كله ، ووضح لي ضرّه ونفعه ، مع حبّ أكثر الناس للغشم ، وابطالهم العدل ، وخفّتهم إلى كلّ اثم . فخفت ان توقد نار لا خبو لضرامها ، ولا اطفاء لو قودها ، حتى تسفك فيها الدّماء ، ويرتقى فيها أعلى المرتقى . فرأيت أن احاوك اجتماع الكلمة ، واتفاق المّلة وخبو النّار المستعرّة واطفاء الفتنة المتعالية . وقد عرفتم معاشر ملوك الطوائف : ان أسلا في المحمودة سيرتهم ، الكريمة آثارهم ، المفقود ملكهم ، كانوا ولاة هذا الامر ، والقائمين به ، والآخذين له بحقه . وليس منكم أحد يستطيع لذلك جحودا ، ولا له انكارا . فنحن خلف ذلك السلف في أمورهم ،
هامش
( 1 ) . النهاية وتاريخ : وأوزر ( 2 ) . تاريخ : كافتراق