وأخاف ان يكون مثلي في هذه الجارية ما أصاب طائر مرة . قالت العجوز : وكيف هذه الا حدوثة ؟ قال الفتى : ان طائرا من الطيور التي تتعيّش بالسمك ، وقع في حديدة صيّاد ، فنشبت الحديدة في حلقه . فلما كادت يد الصائد أن تأخذه خرقت الحديدة مايليها ، ومزّقته ، وتخّلص منها . فكان لا يرى بعد ذلك سمكة الا ظّن انّها حبالة صياد ، فترك اكل السمك حذرا من ذلك الذي صار عليه حتى مات . وكيف يمكن ضم هذه الجارية إلى نفسي ان كانت رغبت في ديني وليست بمحرم لي .
قالت العجوز : تتزوج بها ، فتكون لك محرما . قال : وكيف يزوّجنيها أبوها ، وهو لا يدرى من انا ، وما حسبي وأصلي . قال : تكفى ذلك ان آثرته . قال الفتى : ما أوثره لطلب الدنيا ، واني لفي شغل عن النساء لكني أريد الأجر في احراز هذه النسمة من الضلال إلى الهدى ، ومن العمى إلى الضياء وأصونها عن السياحة والجلاء لما أرجو في ذلك من عظيم الجزاء .
فانصرفت العجوز حتى دخلت على الملك ، فأخبرته بما وقع في قلب ابنته يوم جاوره الفتى بما حاوره وانها في ضنك من عيشتها وشدة من نصبها ، وقد همت بالسياحة على ووجها ، فتجّل المصيبة عند ذكرها ، وتعظم الفاقة عن التجافي عنها .
قال الملك ان يسير القبس يذكو بالحطبة ، فيكثر منه اللهب ، ويسير التدبير يمدّ بالرأي ، فيستشار منه الصواب . وقد كان يقال : ما أشد فقد من تحبّه واشّد من فقده بقاء العار به . وما اشّد فراق الروح والجسد ، وأشد منه الفضاضة . وما أصعب الفقر والحاجة ، وأصعب منه استطالة اللئام .
قالت العجوز : قد قيل ذلك ، وقيل أيضا ظهور البّر أبلغ في الحّجة من العذر ، ومجانبة الجهل أقرب إلى السلامة من التماس التخلّص منها بالحيلة ، واستثقال الأمور بالحزم أمثل من طلبها ، وهي مدبرة بالعجز .
قالت العجوز : قد أجاب ، فأرسل اليه ، ليأتيك ، فاعقد بينك وبينه المصاهرة ، ودع عنك في ذلك المؤامرة . فأرسل اليه ، واعلمه ما وقع في قلب ابنته من الترّهب وآثرت من الزهد ، وسأله هل فيها من أرب ؟
فقال الفتى : نعم ، ايّها الملك ! انّي أرى فيها احياءها بالدّين وانقاذها من الضلالة ، لما أرجو في ذلك من الثواب .
فزوجّه إياها ، وأمر فبنى لهما بيتا جعله بيعة في المكان الذي كان الفتى يعبد فيه ربّه ، جّل جلاله ، واجرى لهما فيه الماء وأهديت اليه الجارية ، ووكّل بهما من يقوم باصلاح
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 167
مساهمون: محمد تقى دانش پژوه
ص١٦٧