تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
الراعي لتلك الأغنام والانعام لا يأمن ان لا يبلغ ما يحب عليها من حق الرعاية ، فيخلّ بأمانته ، ويكره مع ذلك ان يتشاغل برعيها عن حوائج نفسه التي هي اهمّ اليه من رعيها . قال الناسك : أو ما عملت أيها الفتى ! ان العلماء قد قالوا : انّما على الراعي الاجتهاد ، ولا أجر هو أفضل من رعاية رعيّته والأخذ لضعيفهم من قويّهم وحياطتهم . وانّه إذ قام بذلك ، وتحّرى الحق فيه ؛ كان كالصائم القائم . قال الفتى : قد قالت العلماء أيضا : لا عذر للعاقل إذا دخل الماء الذي فيه التمساح بلا طمانيئة ولا شرب الدواء ذات السموم للتجربة ، ولا ركوب المفاوز على جهالة بأماكن المياه . قال له الحكيم : قد قيل ذلك ، وقيل أيضا : ثلاثة لا ينبغي تركها مخافة ان ينسب إلى الرياء فيها : الأشجار لا يترك غرسها خوفا ان لا يبلغ غارسها منفعتها « 1 » . قال الفتى أيها الحكيم ما المخرج ؟ قال له ان المخرج في ثلاثة : العدل في القضية ، والقسمة بالسوية ، وان تعد نفسك واحدا من الرعية . فعزم الفتى على الخروج معهم لما أرشده اليه الناسك ، وحمل معه أهله معه . فاجتمع إلى الجارية أخوات لها ثلاث . وحضرت العجوز ، فابتدأت القول ، وقالت : يا بنيّة ! انّ حدود الأمور مشكلة ، وبالعاقل الذي يميّزها أعظم الحاجة . فأنّ من لا يطلب مكان رشده ، كان كآكل السموم ، وهو لا يعرف مضرتّها . يا بنيّة انّك لم تزلى منصرفة في أحوال مفسدة للالباب : ملك الوالد ، وطاعة الخول ، وفتنة الحدة ، وسكن الشباب وزهرة الجمال . وقد خرجت من ذلك إلى من يملكك ولا تملكينه ، ويأمرك ولا تأمرينه . يا بنية : ان خمس خصال لابد للنساء منهّن ولا غنى بهّن عنهّن في ما بينهّن وبين ازواجهّن : المحبة في الغيب ، وحفظ العهد ، وحسن الطاعة ، فانّها تزرع المودة ، والنظافة « 2 » . فانّها تستميل الأهواء ، والعفاف فإنه يدعو إلى الثقة ، والاقتصاد ، فإنه يؤمن به من الملالة ، وتستبقى حسن المنزلة . فخذي لحظّك من عقلك ، واستنفعى « 3 » بفضل لبك . وقالت احدى صواحباتها « 4 » : يا أخت انّك كنت آمرة فصرت مأمورة ، وكنت ملكة فصرت مملوكة ، وكنت مختارة فصرت مختارا عليك . انه لاجمال للمرأة الا بزوجها ، كما لا جمال للشجرة الا بأغصانها . لا تعارضى زوجك في ما حكاه ، ولا تسلي عنه كلّ السلو ، وتوقى تزدادى ضجرة ، واستبقى طرفا من رغبته ، ولا تجعلى هواك في ما يحدث من حدة ، واحملى نفسك على لزوم أمره ونهية . أو ليكن رأس طيبك الماء ، ورأس وصلتك اليه الطاعة ، ورأس دالّتك عليه العّفة ، كونى له أمة ، يكن لك عبدا !
هامش
( 1 ) . ترجمه شود ( 2 ) . النهاية : واللطافة ( 3 ) . النهاية : واستقنعى ( 4 ) . النهاية : صواحبها