تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
ثم تكلّمت أختها الثّانية فقالت : يا أختي اجعلى لبعلك رقيبا عليك من نفسك ، وملّكيه عنان طاعتك ، ابتغى ما يحب ، واجتنبى ما يكره ، واستميلى اليه بالتزّين والنظافة نظرة . فان عاقبة ذلك محمودة ! وخذي ثمرة قلبه بالمودة ! واعلمى انه لا قوة للمرأة الا بزوجها ، كما انّه لا قوة للسباع الا بمخالبها . وقالت الثالثة : يا أخت ! انّك قد خرجت إلى حال العبوديّة بعد الحرّية ، وإلى حال الاجتهاد بعد الدعة ، وإلى رقّ الزوج بعد ملك النفس . فاستديمى مودّة بعلك ، واحتملى زلّاته ، ولا تكّلفيه ان يحتمل زلّاتك ، وترضّيه إذا سخط ، ولا تكّفيه ان يترضّاك ، وضايعى معه عدوّاك ، واستديمى معه « 1 » صديقاك . قالت الجارية : قبلت ذلك يا اخواتى وما عدوّاى وما صديقاى ؟ قالت : امّا عدوّاك ، فعيناه وانفه ، ان لا يريان منك الا الحسن الجميل ، ولا يشمّ انفه منك الا الطيب . وامّا صديقاك فحياؤه وخلّته ، فاستديميهما مخالفة له وترك امره . قالت الجارية سأقبل ذلك واستعين وبالله ، جّل جلاله ، الموفّق والمرشد . وفرح الملك أبو الجارية بانصراف الفتى مع قومه إلى ارضه ، وقيامه بأمور مملكته . وجهّزه بأحسن جهاز ، وسار مشيّعا له ، ثم انصرف . وانتهى الفتى إلى مملكته ، وهو على حالته الأولى ، لا يقرب أهله مع شدة حبّه لها . فقال الفتى للجارية : المقادير ترى العبد ما لا يخطر بباله . قالت الجارية : قد قيل انما يستبين المّودة بدوام العهد ، ويوجد الرأي عند المشورة ، وتستبين الصداقة عند المواساة . وقد أعطاني الله تبارك وتعالى امنيّتى فيك ، وأرجو ان يتممها بالمرافقة في الجنة . قال الفتى : يلين العالم للحق إذ لزمه ، ويحبّ العفو ليعفى عنه . قالت الجارية : ثلاث لا ينبغي ان يغترّ بهنّ : العاقل الذي لا يدرى كيف عهده ، والشجاع الذي لا سلاح معه ، والقاضي الذي لا يفصل قضاؤه . قال الفتى : وقد قالوا ذلك أيضا إذا اجتمعت عليك الاشغال فابدأ بأولها ، وخذ من الرأي عند استكماله بأقربه من الرشد . قالت الجارية : وقد قيل أيضا : لا يعد في العدول من شهد بالظن ، ولا يعد في العقلاء من لا يفصل بين الخطاء والصواب . وقالوا أيضا : ثلاثة ليسوا بأولي حزم : اكل الطعام الطيب وقد عرف مضرّته ، وراكب البحر للفضل وقد عرف غوره ، والمتداوي بدواء لم يجرّبه . قال الفتى : وقد قيل أيضا : احذر خصماءك بالاحتراس ، وكن عون خصمك عليك باليسير . وقالوا أيضا : انّما يعرف الادواء بمجاسّها ، وتعرف الا طعمة بمذاقها ، وتعرف العقول بما يشرح الألسن عليها . قالوا : وانّ الفتى مكث في ملكه
هامش
( 1 ) . تاريخ : منه ( گويا : صانعى معه )