تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
أخرى ، حتّى انتهى فيما يقال ، والله اعلم ، إلى جبل مطلّ على حد العراق ، ممايلى مكانا يسمى بهندف ، وكان موضعا امن فيه البرد لقربه من الحّر ، وآمن فيه الحّر لقربه من الجبل . وكان على الحدّ بين مملكة أبيه ومملكة ارض الأهواز . فتبوّأ مكانا طّيبا قرب ماء عين بارد . فاتّخذ فيه محرابا ، وأقام فيه منفردا لعبادة اللّه ، جّل وعلا . وكان بقرب ذلك المكان قصر لملك الأهواز ، يأتيه في ايّام القيظ ، فيصيف به ، ويقيم ثلاثة اشهر ، ثمّ ينصرف إلى مملكته . وحضر قدوم ذلك الملك ، فقدم في أهله وولده وقّواده وعظماء أجناده إلى ذلك المكان ، ومع الملك ابنة له من أجمل أهل عصرها جمالا واكملهّن عقلا ورأيا . فركب الملك ذات يوم من ذلك القصر متنزها ، فهجم على الغلام في مكانه الذي يصّلى فيه . فأمر صاحب حرسه بالمقام عنده . وقال له إذا انفتل من صلاته ، فأتني به . فلما انفتل الغلام لم يملك من نفسه شيئا ، حتّى أتوا به الملك . فلما رآه نظر إلى غلام جميل الوجه ، ورأى فيه فراسة أبناء الملوك في ثياب رثّة . فقال له يا فتى : أراك مختلفة أحوالك في حسن الفراسة ، ورثاثة أهل الفاقة بلغت بك إلى ما أرى . قال الغلام : ايّها الملك انا اغنى منك غنى ، وأعظم منك رغبة . قال الملك : أيها الفتى لقد جمعت بين اضداد مختلفة لا يقوم أحدهما الا بفقدان الآخر ، والآخر لا يوجد الا بفقدان ضدّه « 1 » . وكذلك لا يوجد الغنى مع العوز ، ولا الرغبة مع الزهد . فأت لما قلت بحجّة ! قال الفتى : ايّها الملك اما قولي انيّ اغنى منك ، فانّ ذلك لقنوعى بعيشتى الّتى انا فيها ، ورغبتي الازدياد من ذلك القنوع ، ولا احبّ ان اتبدّل من حالي هذه إلى غيرها . قال الملك اما الغنى بالقناعة فأمر واضح ، واما إلازدياد منها في حال الرغبة فلا افهمها ، فبيّنه لي ، بأبى أنت ! قال الفتى : رغبتي تجاوزت إلى الامر الذي استصغرت فيه ما أراك أعظمت ، وطلبت النجاة باحتمال ما أراك استقللت . قال الملك : انّ لكّل قول دلالة من الأمثال والأشباه ، فما الدلالة على ما وصفت ؟ قال الفتى : انّ مثل ذلك مثل نفر خرجوا يريدون أرضا شاسعة في آنف من الزمان ومهلة من الوقت ؛ فمرّوا بروضة قد التفّت أشجارها وتهدلّت ثمارها وكثرت أنوارها ، ومياهها مطردة ، وأكنافها مخصبة . وكانت ثمارها ثمارا طيبة المذاق وخيمة العاقبة تغذى « 2 » منها بقدر ما ازداد من اكلها . فلما رأى النفر الثلاثة حالّها ، قال أحدهم ، وهو أكيسهم : انه لن ينتفع بعلمه من ترك العمل به ، وليس ما يدرك من فضل الشهوة يقوم بفقدان السلامة . فغالب هواه ، ونفذ على بصيرة ، فنجا سالما ، ولم يعلق به شئ من أدوائها ، وبلغ الغاية في وقت سبق إلى اشرف المكان ،
هامش
( 1 ) . تاريخ : والحر لا يوجد الابضده البرد ( 2 ) . النهاية : تعزى ؛ ويبدو الصحيح : يضنى