تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وأوسع المثوى وأخصب المحل . وقال الثاني : لو أقمت بهذه الروضة ايّاما ، فنلت من طيب ثمارها ، وأرحت نفسي ، ثم توجّهت ؛ فانّ الوقت ممكن . فأقام فيها . فلما تطاعم منها ، وذاق حلاوتها ؛ لم يلبث ان اغداه منها ما انكر منه بعض ما كان يعرف من نفسه . فأبطأ حتّى خاف لذلك فوته ، فتوجّه وقد احتمل من أدوائها وآفة مأكلها ما فدحه ، وكاد ان يقطعه . فمضى متحاملا على الجهد بين المؤمل والمؤيس ، حتّى أدرك النجاة . فمن أدركها بالوحدة كان ذلك اسلم . والقرين الصالح خير من أنيس ، وأنس المرء بربّه ، جّل وعّز . خير له . قال بحق قالت العلماء : انّ المسك الذي لا يزداد تفتيتا الا ازدادت رائحته ذكاء . وان مثافنه « 1 » العلماء يزيد عقلا ، كما يزيد الحطب النار وقودا . وكما انّ النار لا ينقص من الاقتباس منها ، والمسك لا ينقص من استنشاق ريحه ، وكذلك لا ينقص علم العالم من الاقتباس منه . ومن أكثر لقاء الصالحين ، ازدادبهم صلاحا ، كما تزداد الأرض الطيبة بكثرة الأمطار عشبا . وقالوا أيضا : من شغل عن الهوى في الدين والقصد في المطلب ، وعن شفى المرضى فلم يرشد فيه ولم يعن عليه إذا عرفه ، فقد احتمل اصره ووزره . وقالوا أيضا : النصيحة للناس نظام التقوى ، والرحمة نظام العدل ، والصدق نظام العلم . فأىّ شئ من ذلك فقد نظامه ، بطل فضله . قال الفتى : قد قالت العلماء في جميع فنون الأدب قولا كثيرا وممّا قالوا : انّ الاعمال وان طابت وزكت ولم يصلح عليها النية ، كالطعام الكثير الطّيب المشوب بالسّم . وان النية الصالحة في الاعمال كالملح الذي يصلح بقليله كثير الطعام . وصالح النيات تزكو الاعمال . قالت العجوز بحق قالت العلماء : ان القلوب اسرع إلى محبة الصالحين من الماء إلى الجذور وطائر الماء إلى الماء . وقالوا : أيضا : ان الحكمة والأدب إذا كان في القلوب الطاهرة فهي كالحبّ في الأرض الطيبة الكثيرة الماء . وان السعيد كل السعيد من سعد وسعد به غيره . وانّ الله ، جلّ جلاله ، قد أسعد بك ابنة لهذا الملك وجد بها ما كان من محاورتك إياها يوم دخلت اليه « 2 » إلى دينك ، وهيج ما سمعت من زهدك وخوفك من معادك لها الخوف من معادها ، وقبح لها بترهّبك وتخليتك من دنياك الزهد في ملك أبيها ، وهمت بالسياحة على وجهها . وهي أجمل بنات الملوك جمالا ، واعظمهن حلما ، واغرزهن عقلا . ولا يجمل تفرّدها وحدها بلا محرم . فان رأيت أن تستر عورتها عن السياحة وحدها بلا محرم يكون معها بضمّك ايّاها ، إذا وضع الله رشدها ، واختارت ما فيه حظّها ونجاتها في آخرتها ، إذا كنت السبب في تبتلّها ، والداعي إلى ترهّبها . فقد قالت العلماء ان أوعية
هامش
( 1 ) . تاريخ : مناقشة ؛ ويبدو الصحيح : مشافهة ( 2 ) . تاريخ : فيه عليه