تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ان قد أصابكم ما أصاب الطير الذي يسمى شبرما . فقال زعيم القوم : ايّها الملك السعيد الجدّ الميمون النقيبة وما كانت هذه الأحدوثة . قال الملك : زعموا في بعض ما يؤثر من أمثال الاوّلين ان طائرا كان يسمى شبرما ، وهو من طيور جبال الثلج التي لا صبر لها على الحّر ، ولا غنى بها عن الكنّ ، وربما كان يقطع من البلاد ومعه اتباعه . فمّر بموضع ماء من مياه اجتمعت من الأمطار بفلاة من الأرض ، ورأى إلى جانب ذلك الماء حيّا وريفا . فاستطاب ذلك المكان ، وقال لواقمت به ايّاما ، فانّه مكان طيب . فأقام به . وكان بحضرة تلك الحوبة شجرة قرع قد التفّت على أعواد ، فكثر أوراقها ، واتّسع فيها . فقال في نفسه : ان هذا المكان بارد فسيح منفرد عن الناس . فان تقحّم علىّ الحرّ استكننت بهذه الشجرة ، ففي فيئها وكنّ ورقها ما يكف عادية الحرّ . فأقام بذلك المكان واثقا ، واتّخذ فيه وكرا ، وباضت انثياته ، وفرخت . فلم تنهض فراخها ، حتّى اشتدّ الحرّ ، ونضب الماء ، ويبست تلك القرعة . فارادا ان يقطعا إلى مكانها الذي كانا فيه ، فأشفقا ان يدعا فرخهما ، ويمضيا ، حتّى أصابهما العطش والحر ، فقتلهما وفراخهما . فهذا مثلكم في هذا الغلام الذي أملتموه للقيام من بعدى بأمركم . فها هو ذاكم يريد اهمالكم ، والخروج عن أرضكم ، واعتزالكم . فاحتجّوا ، وليحتجّ ! قالوا فليتكلّم ، ونتكّلم ، وليحكم بيننا هذا العابد ! قال الملك للغلام : تكلّم يا بنىّ ! فقال الغلام : انّ احقّ ما ينبغي للعاقل ان يسعى لما فيه من اشدّ أموره ، ولا يؤثر أحدا على نفسه . فقد سبق في ذلك قول العلماء إذا قالوا : من آثر على نفسه ، أصابه ما أصاب القطاة . قال الملك وكيف هذه الاحدوثه قال الغلام : انّه يؤثر في بعض أمثال الحكماء الماضين انّ سربا من قطا كنّ بفلاة من الأرض ، وانّهن أتين ذات يوم إلى مكان فيه رحب كثير ، ومارأوا لم يعهد به « 1 » فيه ، فأنكرنه ، وخفن أن تكون من حبائل القناص ، وهبن ان يدخلنه . فقالت قطاة منهم ليست بأكيسهن : انا ادخل فيه ، فاكشف « 2 » لكم علمه . فدخلت فتشبكت « 3 » بالشبكة ، فهلكت ، ونجت سائرهن سالمات ، فقال العابد للقوم : قد تكلم خصمكم ، فتكّلموا بحجّتكم ! فقال الزعيم منهم : أيها العالم ان العلماء قد قالت : انّ طلب السلامة حسن ، وأحسن منه من طلبها لنفسه وغيره . وانّ من فعل ذلك ، كان مثله مثله ظبية كانت بفلاة ، وكانت تسمى الحبذاء « 4 » ، وكانت سيدة ظباء تلك الأرض . فجاءت سنة
هامش
( 1 ) . تاريخ : انه ( 2 ) . أصل والنهاية : فأعلمه ( 3 ) . تاريخ : فتشبكت ( 4 ) . النهاية : الجيدى
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 162 | محمد تقى دانش پژوه / مؤلف مجهول