تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
فرزق الملك غلاما فسماه بوداسف واشتّد به ابتهاجه وابتهاج رعيّته وعظم سرورهم بمولده ، وأكثروا حمد الله ، جلّ وعزّ ، عليه وسألوه نماه وطول بقائه وحفظه كلاءته . فلّما بلغ التأديب ؛ جمع أبوه صالح المؤدبين ، فأسرعوا في تأديبه ، وتعاونوا على ذلك بقوة غريزته ، ونفاذ بصيرته ، وعظيم الرغبة في كل ما دعا اليه رشده ، وقرب من « 1 » حظه . فلما ان جاءته درجة « 2 » المتعلمين ، فاستفرغ علم العالمين . فلما أدرك مدرك الرجال ؛ فكّر في زوال الدنيا عن أهلها ، وكثرة آفاتها وشرورها ، وما يلقى صاحبها المنغمس فيها من كثرة تعبها وشدة الهمّ ، ثم يؤدى ذلك إلى عذاب الأبد فتطّلعت نفسه إلى خلع الدنيا ، وتركها ، وكبر عنده ان يلقى به أباه مجاهره ويخبره بذات نفسه . فأحّب ان يلطف لذلك ويأتي الأمر من وجهه « 3 » ، فقال يوما : يا ابه ما رأس الحكمة ؟ فقال أبوه : ان راس الحكمة لزوم المحجّة قال : فما رأس الحزامة ؟ فقال : الوقوف في حالات « 4 » الشبه . قال : في ما تدرك بمجانبة الهوى والمحّبة . قال : فيما يبلغ الغاية ؟ قال : بالجّد في طلب البغية . قال : فما أغنى الغنى ؟ قال : التسليم والقناعة . قال : فما غاية الفقر والفاقة ؟ قال : إفراط الحرص والرغبة . قال : فما أكيس الكيس ؟ قال : الاستعداد في المهلة . قال : فما اعجز العجز ؟ قال : التفريط بعد « 5 » امكان القدرة . قال : فما احزم الحزم ؟ قال : التفرد بعد الاستبصار . فقال الغلام : يا أبة ان البصيرة قد نفدت فىّ ، وانا سائح على وجهي لأتفّرد بنفسي ، واتفّرغ . فعليك السلام . قال له أبوه : يا بنيّ ان لك خصماء فانصفهم من نفسك ! قال : وما خصمائى ؟ قال : الرعية . ولست احكم بينك وبينهم الا بحضرتهم . ولست ادع الاخذ لهم بحقهم منك واعطاءك منهم ما يجب لك . فان احتجوا نظرت ، وان صحت حجتك سلّمت . قال الغلام : يا أبة فكيف جعلت لهم ولاية علىّ ، وصيرت بيني وبينهم حكومة . قال لان تركك القيام بأمرهم من بعدى لهم مظلمة ، ولا يجوز الحكم الا بحجّة لابد من حضور وجه من وجوهم ، إذا لم يعن بأمر ضعافهم ويهتّم يوما بملكهم . قال : يا أبة ! فاجعل بيني وبينهم حاكما غيرك ! قال : وبمن ترضى يا بنّى ؟ قال : بشمعون الراهب . قال : ذلك لك . فأمر باحضار شمعون مع نفر من وجوه أهل مملكته واشرافهم . فتكلّم الملك ، فحمد الله ، جّل وعلا واثنى عليه ، ثم قال : لجليل ما جمعتم له ، وانى اخال
هامش
( 1 ) . النهاية : منه ( 2 ) . أصل والنهاية : درج ( 3 ) . أصل والنهاية : يأتي إلا من وجهه ( 4 ) . تاريخ : جهالة ( 5 ) . النهاية : عن
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب — صفحة 161 | محمد تقى دانش پژوه / مؤلف مجهول