من هؤلاء مثل جميع أهل الأرض . ومن هم بالبعد منّا ، فانّا لا نعرفهم ، وليس لهم الينا منفذ الآمن هذا الفج . فهل نجعل لك خراجا « 1 » على أن تسّده عليهم ؟ قال : فما طعامهم ؟ قالوا :
يقذف البحر إليهم كل عام حوتين ، فيقتاتون منها إلى الحول . فإذا لفظ إليهم ثلاثة حيتان ، كان فيها خصبهم .
قال : وما قدر كل حوت من هذه الحيتان ؟ قالوا ايّها الملك كل حوت مسيرة عشره أقوام . فذكر الإسكندر قول الملك « 2 » لا تطغى ولا تتكّبر ، ولا تظّن انّك تسّده بقوتك . قال : ما مكّنني فيه ربّى خير مما تبذلون من الأموال في سدّه . « آتوني زبر الحديد » الآية .
ثم امر بالحديد فضرب أمثال اللبن العظام ، وأذيب النّحاس ، فجعل ملاطا للطين « 3 » . ثمّ بنى به ذلك الفّج ، حتى سوّاه « 4 » مع قلّتى الجبل . فلما فرغ منه ؛ امر بالنحاس ، فاذيب ، فافرغ عليه من فوقه ، فصار شبيها بالمصمت . وكتب على السّد : بسم الله الا عزّ الأكرم . بنى هذا السّد بقوة الله ، وسيلبث بذلك ما شاء الله . فإذا مضت تمانمائة وستّون سنة من الألف الأخير ، فيفتح هذا السّد . وذلك عند كثرة الخطايا والذنوب وقطع الارحام . فيخرج من خلف هذا السّد من هذه الأمم ما لا يحصيهم الا اللّه ، جّل جلاله . فيبلغون مغارب الأرض ، ويأكلون جميع ما يصلون اليه من الطعام والثمر ، حتى يفضوا إلى الحشيش « 5 » وورق الشجر ، ويشربوا جميع ما يّمرون عليه من المياه ، حتّى لا يدعوا منها جرعة . فإذا بلغوا ارض اليمانوس ، هلكوا عن آخرهم بإذن الله وعظيم برهانه وتقدست أسماؤه « 6 » .
فلما فرغ من بناء السد ؛ سار من تلك الأرض ، فقطعها في أربعة اشهر منصرفا . فسار في البّر ما شاء الله تعالى ، حتّى انتهى إلى امّة من النّاس يشبهون الفرس ، وكلامهم كلام السودان . فاستقبلوا الإسكندر ، وقالوا : ايّها الملك ، ان وراؤنا امّة من النّاس قد استكلبوا علينا ، فهم يغزونا ، ويخربون ارضنا ، ويسفكون دماءنا ظلما وبغيا ، وبيننا وبينهم هذا البحر . فقال : وفي كم يوصل إليهم ؟ قالوا : في شهر . فامر بالسفن ، فاتّخذت وركب في جنوده وعساكره ، حتّى وصل إلى ارضهم ، فطلبوا الأمان ، فآمنهم ، واخذ عليهم العقود والعهود والمواثيق الّا يفسدوا في الأرض ، ولا يبغوا على من كان حول ارضهم .
ثم ركب البحر ، وسار من عندهم ما شاء الله ، عز وجل ، ان يسير ، حتّى وصل إلى بلاد قوم لهم أجسام وقوّة ، وهم أكثر الأمم عددا ، واشّدهم بأسا . فدعاهم إلى التوحيد فأجابوه ،
هامش
( 1 ) . النهاية وتاريخ : خرجا
( 2 ) . النهاية : كلام الملك وقوله
( 3 ) . تاريخ : لبطين
( 4 ) . تاريخ والنهاية : ساواه
( 5 ) . تاريخ : يقضمون الحشيش
( 6 ) . النهاية : وتقديس أسمائه