عشرة أيام ولياليها ، لا يعرف ليلا من نهار ، ولا يدري اين يتوّجه ، فبينا « 1 » هو يسير . فيما إذ لاح له ضوء ملك من الملائكة . فعهد « 2 » نحو الضوء ، حتّى وافاه بعد يومين وليلتين . فإذا هو بجبل عظيم اخضر من الزمرد « 3 » . وقد جمع الملك يديه قابضا له ، كانّه يخاف ان يزول من يديه وهو يسبّح بصوت عال كالرعد القاصف « 4 » ، ويقول : سبحان الله من يوم خلق السماوات والأرضين إلى يوم ينفخ في الصور . وسبحان الله من منتهى قدمي إلى منتهى عرش ربّى العظيم . وسبحان الله عدد قطر المطر وعدد ورق الشجر وعددما في الأرضين من حجر ومدر . وسبحان الله بعدد ما خلق وما يخلق إلى يوم القيامة . وسبحان الله بعدد أنفاس خلقه من انسه وجنّه . وسبحان الله بعدد ما سبحّه أحد من خلقه ومن ملائكته وجميع بريتّه .
فسلّم عليه الإسكندر ، فرد عليه السلام ، وقال : يا ابن آدم الخاطىء اما كفاك ماوراك حتّى وصلت إلى هذا المكان ؟ ! قال الإسكندر : ان ربّى ، جلّ جلاله ، وتقدّست أسماؤه الذي قوّاني حتّى خلفت مطلع الشمس ورائي ، ودخلت هذه الظلمة . فاني امشي فيها ، لا اعرف ليلي من نهاري « 5 » ، ولا تعثر رجلي بحجر ولا مدر .
فقال له الملك : يا ذا القرنين ! انّك لم تمش في الأرض الا يومين وليلتين ، وساير ذلك مشيت على الماء . وان أحدا من ولد آدم لم يبلغ هذا المكان غيرك . فبكى الإسكندر بكاء شديدا ، وظن انّ الملك نبره اوشتمه حين قال له : يا ذا القرنين . فقال له الملك : ايّها الآدمي ما يبكيك ؟ قال : ابكى لأنك دعوتني بغير اسمى ، واسمّى الإسكندر ، وأنت سميّتنى ذا القرنين . قال له الملك ! انى لم أشتمك ولم القبّك « 6 » ، ولكنّى سميّتك بفعلك ، أنت بلغت قرني المشرق والمغرب . فذهب عن الإسكندر همّه . وشكّ فيما قال له : انّك انّما مشيت على الماء فقال الملك : شككت فيما أخبرتك ، إنك إنما مشيت على الماء ، فلا تشكّنّ في قدرة اللّه ، جلّ وعلا .
فقال له الإسكندر : أيها الملك انى أراك قابضا على هذا الجبل ، كانّك تخاف ان يزول عن يديك ! قال الملك : ان هذه الجبل مستدير على جميع الدنيا ومحيط بها كهيئة السور « 7 » ، وهذه الظلمة والبحر الذي مشيت فيه قد أحاطت بالدنيا كهيئة الخندق . وليس
هامش
( 1 ) . أصل : فبينما
( 2 ) . يبدو الصحيح : فعدا
( 3 ) . النهاية : الزبرجد
( 4 ) . تاريخ : العاصف
( 5 ) . تاريخ : ولا
( 6 ) . ألعنك
( 7 ) . النهاية : السوار