خلف هذا الجبل الا الملائكة الكرّوبيّون . وبينهم هذا الجبل ، ولولاه لاحترق من نورهم كلّ شئ ، وبين الكروبيين وحملة العرش سبعون حجابا . ولولا الحجب لاحترقت الملائكة الكّروبيّون . فامّا قبضي « 1 » على هذا الجبل ، فان اللّه تبارك وتعالى خلق الأرض ، وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات ، ثم خلقنا معاشر الملائكة ، فنظرنا إلى الأرض تميد يمنة ويسرة ، فقلنا ، وكان ذلك أجراه الله على ألسنتنا :
ربنا ما بال الأرض تميد يمنة ويسرة كيف يستطيع خلقك الذين تخلقهم ان يستقّروا على ظهرها . فتكّلم ربّنا جلّ جلاله بكلمة الامر ، فخررنا على وجوهنا . ثم رفعنا رؤوسنا فرأينا هذا الجبل قد أحاط بالأرض كهيئة السور « 2 » ، وان اللّه ، جلّ جلاله وثناؤه ، جعل لهذا الجبل روحا وعقلا ، فهو يطيع الله ، جلّ جلاله ، كما نطيعه . وبطاعته جعله امّ الجبال ، وانّ كل جبل على وجه الأرض تنتهى عروقه إلى هذا الجبل ، كما ينتهى ولد آدم إلى آدم . فامّا ما ترى من قبضي « 3 » عليه بكلتا يدّي « 4 » . وامرني بامساكه لئلا يتحرّك فتخسف الأرض باهلها .
وان اللّه ، جلّ جلاله ، إذا أراد ان يخسف بمكان من الأرض ، أوحى إلى هذا الجبل ، فتتحرك عروق ذلك المكان ، فيتزلزل وينخسف وانّ الماء المالح والعذب والحلو والحامض وألوان المياه كّلها من هذا الجبل ، وانّ خضرة سماء الدنيا انّما هي من خضرة هذا الجبل . واعلم ايّها العبد الادمي بانّ الله ، تبارك وتعالى ، سيصلح بك الأرض بسّد تسدّه على أمم كثيرة ذي عيب وفساد في الأرض ، فتمنع شرّتهم عن ولد آدم ، فلا يكون لهم مسلك يخرجون منه . فايّاك إذا قوّاك اللّه ، جلّ ثناؤه ، على ذلك السّد ، ان يدخلك العجب والعظمة ، وتظنّ انّك سددته بقوّتك ، فيسلّط الله ، عزّ وجلّ ، عليه أهون خلقه وأضعفهم ، فيكسره في اسرع من لحظة .
فقال الإسكندر : هل تأكلون وتشربون ؟ فقال الملك : سبحان الله ، وهل طعامنا معشر الملائكة الا التسبيح والتهليل والتكبير ، لا نستطيع الفتور عن ذلك ساعة واحدة . فانصرف أيها العبد إلى أصحابك ، فقد بلغت بقوة الله ، جلّ جلاله ، مبلغا لم يبلغه أحد من ولد آدم .
قال الإسكندر : فأوصني بوصية ، انتفع بها ! قال : ايّاك والفخر والبطر ، ولا تأسف « 5 » على ما فاتك ، ولا تفرح بما تؤتي من الدنيا . واعمل في يومك لغدك ، وليحسن ظنك بالله ، عزّ
و
هامش
( 1 ) . النهاية وتاريخ : قبضتي
( 2 ) . النهاية : السوار
( 3 ) . تاريخ : قبضتي
( 4 ) . أصل : بكلتى يداى ، تاريخ : بكلتا يدىّ ، النهاية : بكلتى يدي
( 5 ) . تاريخ : الأسف