فلما اتاه كتابهم ؛ تنكّب ارضهم ، وسار نحو ارض الشمس ، حتّى انتهى إلى بلاد عظيمة واسعة خصبة كثيرة ، وفيها امّة لا يحصي كثرتهم الا اللّه ، جلّ جلاله ؛ حمر الوجوه صهب الشعر ، ولهم مدينة تسمى جابرسا « 1 » ، ولها عشرة آلاف باب . ينوب على كل باب فيها في كل ليلة الف رجل يحرسونها من عدوّهم ، لا تصيب النوبةّ الّا ليلة في جميع عمره من كثرتهم . فخرجوا إلى الإسكندر واعطوه الطاعة ، ووافقوه في التوحيد . فسألهم ما وراء هم ؟
قالوا : ما وراءنا الّا العين الحمئة التّى تغرب فيها الشمس . فسار بلادهم أربعين شهرا ، حتى خرج منها . فانتهى إلى تلك العين ، فنظر إلى الشمس والقمر عند غيبوبتهما . فامر أصحابه ، فنزلوا على تخوم الأرض . وقال لهم : ان انصرفت إليكم أربعين يوما ، والّا فانصرفوا إلى أوطانكم . ثم سار وحده ، حتّى جاز العين تغرب فيها الشمس ، وانتهى إلى الظّلمة ، فاقتحمها ، ومشى فيها عشرة أيام ، حتّى خرج إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا بضوء قمر ، وإذا هو بجبل عظيم . فارتقى في ذلك الجبل ، فإذا هو بطائرين عظيمين مشدودين بعمودين غلظ كل عمود منهما وطولا ما لا يعلمه الا الله . فلما انتهى اليهما ، قالا ايّها العبد الصالح أخبرنا عمّا نسألك عنه ! قال : وما الذي تسألاني ؟ قالا : هل كثر الزّنا والرياء في الأرض ؟ قال : نعم . فوثبا حتى بلغا أعلى العمودين « 2 » .
ثم قالا : وهل ترك الناس شهادة ان لا إله إلا الله ؟ قال : لا . فعادا كما كانا .
ثم قالا : اسلك هذه الدرجة إلى هذه القبة . فسلكها خائفا ، وجلا لا يدرى على ما نهج .
فإذا هو بملك من الملائكة رافع رأسه إلى السماء واضع يده على فيه . فلما رأى الإسكندر قال : يا ابن آدم الخاطيء ما كفاك ماوراك حتّى وصلت اليّ ؟
قال : ومن أنت ؟ قال : انا إسرافيل صاحب الصور . قال : فمالي أراك رافعا رأسك إلى السماء واضعا يدك على فيك ؟ قال : انتظر امر ربي للنفخ « 3 » في الصور . ثم اخذ من بين يديه حجرا ، فناوله الإسكندر ، وقال انطلق بهذا معك . فان شبع هذا ، شبعت ؛ وان جاع ، جعت .
فاخذ الإسكندر الحجر ، وودع الملك ، وسلّم عليه ، وانصرف ، حتّى أتى إلى الظلمة فسلكها وجازها وخرج إلى أصحابه ، فلما رأوه ؛ فرحوا به فرحا شديدا ، وقد كانوا آيسوا منه .
قال الشعبي : وحدثني عبد الله بن سلام انّه وجد في كتبهم من قصة الإسكندر انّه كان
هامش
( 1 ) . أصل : جابرس
( 2 ) . النهاية : اعلا العامودين . قال : هل كثر بنا الجص والآجر في الأرض ؟ قال نعم فوثبا بلغا العامودين
( 3 ) . تاريخ : بالنفخ