انتهوا « 1 » إلى عسكره . فنادى فيهم بالرحيل . فارتحلوا وساروا حتى انتهوا إلى ارض بريانوس . فنظر إلى بلاد واسعة كثيرة الخير ، كانت سنة أهل تلك الأرض ان يكون الرجل في ناحية من تلك البلاد ، والنساء في ناحية أخرى . فلا يجتمعون الا في ثلاثة أيام من السنة ، وهي عيد يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم . فمن أراد ان يتزوج منهم في تلك الأيام الثلاثة ، تزوجّ . فإذا ولدت المرأة ذكرا ؛ أرضعته ، حتى إذا أدرك ، أسلمته إلى أبيه في تلك الأيام ؛ وان كانت أنثى ، حبستها عندها . ثمّ ينصرف الرجل والنساء إلى مواضعهم . وللرجال في مستقرّهم ملك فيهم ، وللنساء ملكة . فانتهى الإسكندر إلى تلك الأرض من الناحية التي فيها النساء فكتب إلى الملكة :
بسم اللّه الملك الحّق المبين ، من الإسكندر الملك المسلّط على ملوك الأرض إلى بريانوس ملكة النساء . فان اللّه وله الحمد ، قد مكّن لي في البلاد ، ونصرني على الملوك ، وآتاني من كل شئ سببا ، ووردت أرضكم . فان آمنتم باللّه وحده لا شريك له ، وستمعتم ، وأطعتم ؛ قبلت ذلك منكم . وان أبيتم ، قتلتكم معاشر النساء . ثم ملت إلى رجالكم ، فأفنيتهم « 2 » فخذوا لا نفسكم ، اودعوا . فلمّا انتهى إلى بريانوس كتابه ، كتبت اليه : من بريانوس الملكة إلى الإسكندر الرومي . امّا بعد ، فقد فهمت كتابك ، وعرفنا ان ذلك لغرّة منك بنا ، وتهاون بأمرنا فلا تغترّن بغزونا ولا تصغرنّ شأننا ، فاننّا « 3 » بهذا الوادي الف الف امرأة ، ورجالنا من ناحيتهم التي هم بها في مثل عددنا . فإذا اجتمعنا نحن وايّاهم ، رجونا ان لا يعجزنا أحد . فلا تغرّن نفسك وجنودك في تقحّم ارضنا ، فإنك لست تعرف من جلدنا وقوتّنا ما تعرفه من أنفسنا . فان تفعل ؛ لم تضرّ بذلك الا نفسك ، ولم تهلك إلا جنودك والسلام .
فلما وصل كتابها إلى الإسكندر ، اقتحم بعساكره ارضهم . فلما علموا ان لا محيص لهم ، اجتمع الرجل والنساء . بمكان واحد ، وتوامروا بينهم ، وقالوا لا طاقة لنا بهذا الملك ، وما الرأي الا اعطاؤه الطاعة . فكتبوا اليه : بسم الله الحكم العدل .
اما بعد ، بلغنا تقحّمك ارضنا ونحن قوم ليست لنا سوام ولا أموال وانما عيشنا من ثمارنا ودوابّ البحار ، ونحن أناس يعبدون الله وحده ، جلّ جلاله ، وعظم برهانه « 4 » ، ونقّر ببعثه وقيامته وجنته وناره . فانصرف عنّا ، يرحمك الله ، إلى غيرنا ! فلا منفعة لك في تقّحم ارضنا . والسلام .
هامش
( 1 ) . النهاية وتاريخ : انتهى
( 2 ) . النهاية : فاتيتهم
( 3 ) . أصل : فان
( 4 ) . النهاية : سلطانه