توّج رستم بتاج « 1 » ، وملّكه على خراسان وسجستان ، واطلق له القعود على سرير الذهب ، واقطعه « 2 » بلدانا كثيرة ورفع منزلته ، وأعظم حياته . فانصرف إلى سجستان . فلما بلغة ان بشتاسف ترك دين آبائه وأجاب زرادشت إلى ما دعاه اليه من دين المجوسية ، غضب لذلك غضبا شديدا ، قال : ترك دين ابائنا الذي توارثه آخرنا عن اوّلنا وصبا إلى دين زرادشت الكافر . ثم عزم على خلعه ، فجمع عظماء أهل مملكته ، واعلمهم الذي أحدثه الملك من ترك دين آبائه والدخول في غيره من الأديان ، وإيان لهم خلعه . فساعدوه على ذلك ، وخلعوا طاعة بشتاسف ، وابنه اسفنديار وكان أشد أهل عصره ، وتزعم العرب ان جلده كان من نحاس . فقال له أبوه : يا بنى ان الملك يفضي إليك وشيكا ، ولا يصلح لك أمورك الا بقتل رستم ، والراحة منه ، فقد عرفت شدته وقوتّه . فانتخب « 3 » من الجنود ما أحببت ، وسر اليه ، فادعه إلى الطاعة . فان أجاب ورجع عما هو عليه ؛ وإلا فحاربه ، فانى أرجوان تظفر به إذ كنت نظيره في شدتّه وقوتّه . فانتخب اسفنديار من جنود أبيه اثنى عشر الف رجل من ابطان العجم . ثم سار نحو رستم ، وبلغ ذلك رستم ، فخرج اليه في أهل خراسان وسجستان مستقبلا له فتوافى العسكران بأرض قومس ، وتوافقا للحرب . فصاح اسفنديار : اين رستم ، ليخرج الىّ اكلّمه . فخرج اليه رستم . فقال اسفنديار : ما الذي دعاك إلى خلع طاعة الملك وخروجك عليه ؟ قال أنكرت ما احدث من ترك دينه ودين آبائه ، ومتابعته زرادشت على دين المجوسية ودخوله فيه . قال اسفنديار : ان الملك ابصرما « 4 » يأتي به في أموره منك ، فدع عنك التمادي في الغيّ ، وارجع إلى طاعته ، واحفظ ما كان منه إليك وتشريفه إياك ، ورفعة منزلتك ، بعد ان كنت خاملا في ارضك ومطروحا في بلدك . قال رستم . ان منّتى عليه أعظم من منتّه علىّ حين خلّصته من الموت ، بعد اشفائه عليه وما انا براجع إلى طاعته حتّى يتّبرأ من دين المجوسية ، ويرجع إلى دين الاباء والّا حاربته ، ونابذته على سواء . قال اسفنديار . انه ليس من الانصاف ان يورد الرؤساء جنودهم موارد الهلكة ، وينجواهم بأنفسهم . فاجعل لي عهدا وثيقا ، واجعل لك مثله أن تعفو الفريقين عن القتال ، وتكون الحرب بيني وبينك خاصّة ، تبرز لي وابرز لك ، فايّنا قتل صاحبه ؛ استولى على ملكه ، وانحاز اليه أصحابه .
قال رستم : ذلك لك ، وقد رضيت به ، وهو الانصاف . فتحالفا على ذلك ، وتعاقدا عليه . ووقف العسكران في صفوفهم تحت راياتهم . وخرج اسفنديار إلى رستم ، فاقتتلا
هامش
( 1 ) . هنا : بتاجه
( 2 ) . هنا : اقطع له
( 3 ) . هنا : فانجد
( 4 ) . الصحيح : بما