وأبادها وأفقر صاحبها ، حتّى أصبح ولا يملك شيئا ؟
ولو كان أنفق أيّ أحد عشر معشار ذلك المال لدوّخ العالم صيته ، وكان يومئذ يعدّ في الرعيل الأوّل من أجواد الدنيا ، ولم يوجد في صحيفة التاريخ ذكر من تلكم الآلاف والكراسي والحلل .
هب ، أنّ الذهبي قال في حديث عائشة : « ألف الثانية باطلة قطعا ؛ فإنّ ذلك لا يتهيّأ لسلطان العصر » .
وأقرّ ابن حجر تعقيبه في تهذيب التهذيب « 1 » ؛ فأين قصّة ألف أوقية الصحيحة في صحائف التاريخ ؟ !
وإن صحّت الأحلام ، وصدّقت هذه القصص الوهميّة ، وكان لأبي بكر ذلك المال الطائل الخياليّ ، لما افتقر أبو قحافة والده لأن يكون أجير عبد اللّه بن جدعان للنداء على طعامه ، ولم يكن يقتني بتلك الخسّة لماظة من العيش ؛ كما قاله الكلبي في المثالب .
ولقد روي كما يأتي « 2 » : أنّ الّذي استصحبه أبو بكر من المال - يوم هاجر من المدينة - وهو كلّ ما يملكه ، أربعة أو خمسة أو ستّة آلاف درهم ؛ فأين هذا من الألف ألف أوقية ، والكراسي المذكورة ، وحللها المقوّمة بثلاثمئة وستّين ألف دينار وما يتبعها ؟ ! وأيّ نسبة بين صاحب تلك الثروة وبين ما لا يملك إلّا هذه الدراهم المعدودة ؟ !
وأيّ نسبة بينها وبين أيّامه وأيّام أبيه بمكّة وبين ما كان يحترف به في المدينة من بيع الأبراد والأقمشة على عنقه وعلى ساعده ، حرفة ضئيلة يدور بها في الأزقّة والأسواق من دون أن يستقرّ في متجر أو حانوت ؟ !
هامش
( 1 ) - ميزان الاعتدال للذهبي 2 : 341 [ 3 / 375 ، رقم 6823 ] ؛ تهذيب التهذيب 8 : 325 [ 8 / 291 ] .
( 2 ) - في ص 152 من كتابنا هذا .