ولقد كشف الإمام عن هذه الحال ببيان معجب لطيف في بعض خطبه ، فقال : ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت ، فاتقوا سكرات النعمة ، واحذروا بوائق النقمة ، وثبتوا في قتام العشوة واعوجاج الفتنة عند طلوع جنينها ، وظهور كمينها ، وانتصار قطبها ، ومداد رحاها ، تبدو في مدارج خفية وتؤول إلى فضاعة جليّة ، شبابها كشباب الغلام ، وآثارها كآثار السلام ، يتنافسون في دنيا دنيّة ، ويتكالبون على جيفة مريحة ، وعن قليل يتبرّأ التابع من المتبوع ، والقائد من المقود ، فيتزايلون بالبغضاء ، ويتلاعنون عند اللقاء .
ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الحقيقة الرجوف ، القاصمة الزحوف ، فتزيغ قلوب بعد استقامة ، وتضلّ رجال بعد سلامة ، وتختلف الأهواء عند هجومها ، وتلتبس الآراء عند نجومها ، من أشرف لها قصمته ، ومن سعى فيها حطمته ، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة ، قد اضطرب معقود الحبل ، وعمي وجه الأمر ، تفيض فيها الحكمة ، وتنطق فيها الظلمة ، وتدقّ أهل البدو تسجّلها ، وترضهم بكلكلها ، يضيع في غبارها الوجدان ، ويهلك في طريقها الركبان ، ترد بمرّ القضاء ، وتحلب عبيط الدماء ، وتثلم منار الدين ، وتنقض عقد اليقين ، تهرب منها الأكياس ، وتدبّرها الأرجاس ، مرعاد مبراق ، كاشفة عن ساق ، تقطع فيها الأرحام ، ويفارق عليها الإسلام ، بريّها سقيم ، وظاعنها مقيم « 1 » .
وأوضح هذا كلّه بقوله : ألا وإنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة فإنّها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطّتها ، وخصّت بليّتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي عنها ، وأيم اللّه لتجدنّ بني أميّة لكم أرباب سوء بعدي كالناب الضروس ، تقدم بفيها وتخبط بيدها ، وتزين برجلها وتمنع درّها ، لا يزالون
هامش
( 1 ) نهج البلاغة 2 : 37 و 38 باب الخطب .