هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » أَي قد « 2 » أتَى على الإنسانِ طائفةٌ محدودةٌ مِنَ الزَّمانِ الطَّويلِ المُمْتَدِّ الَّذي لا يَعْرِفُ مقدَارَهُ لَمْ يَذْكُر فيهِ أَو غيرُ مذكورٍ بالإِنسانيّةِ أَصلًا ؛ كالعُنْصُرِ والنُّطفَةِ .
والمرادُ بالإنسانِ الجنسُ ، وإطلاقُهُ على ما قبلَ نفخِ الرّوحِ فيهِ من بابِ إِطلاقِ الخَمْرِ على العَصيرِ ، أَو هو آدمُ والحِينُ محدودٌ ؛ وذلك أنَّهُ مكَثَ أربعينَ سنةً طِيناً إلى أَنْ نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ فصارَ شيئاً مذكوراً بعدَ أنْ كانَ كالمَنْسِيِّ .
الأثر
( لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللّهُ ) « 3 »
و
يُروَى : ( فإنّ اللّهَ هُوَ الدَّهْرُ ) « 4 »
و
في روايةٍ : ( فإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ ) « 5 »
وذلك أَنَّهُ كان من شأن العربِ ذَمُّ الدّهرِ وسَبُّهُ عند النَّوازِلِ لاعتقادِهِم أَنَّه الطَّارِقُ بالنَّوائبِ ، فنُهُوا عن ذلِكَ وبُيِنَ أَنَّ لَهُم الطّوارِقَ الّتي تَنزِلُ بهِم مُنَزِّلُهَا اللّهُ تعالى دونَ غيرِهِ .
وقيل : الدَّهْرُ الثّاني ليس بمعنى الأوّل بل هو مصدرٌ بمعنى الفاعِلِ ، ومعنَاهُ أنَّ اللّهَ هُوَ الدَّاهِرُ ؛ أَي المُصَرِّفُ المُدَبِّرُ المُقَيِّضُ لِما يحدُثُ . والأوّلُ أظهرُ .
هذا ، وقد يُذَمُّ الدّهرُ والزَّمانُ ويُمدَحُ لا من حيث إِنَّه الفاعِلُ للشّرِّ والخيرِ - كما تزعمُهُ الدَّهرِيَّةُ - بل باعتبار أَنّه من الأَسبابِ المُعِدَّةِ لحُصُولِ ما يحصُلُ في هذا العالَمِ مِنَ الامتزاجَاتِ وما يَتْبَعُهَا ممّا يُعَدُّ شرّاً أو خَيْراً ، أَو لكونِهِ ظرفاً لهما فَيُذَمُّ « 6 » الدّهرُ الّذي يكون فيه الشَّرُّ أَكثَرَ ويُمْدَحُ الّذي يكونُ فيه الخيرُ أَكثَرَ ، وعلى ذلك ما ورد في كلام المِلِّيِّينَ من
هامش
( 1 ) الإنسان : 1 .
( 2 ) في « ج » : مدة بدل : قد .
و ( 4 ) غريب الحديث للخطّابي 1 : 409 ، الفائق 1 : 446 ، النّهاية 2 : 144 .
( 5 ) مشارق الأنوار 1 : 262 ، وانظر غريب الحديث للخطّابي 1 : 409 ، والبخاري 8 : 51 .
( 6 ) في نسخة : فذم .