عن قدرتهم ولم تكن بها وبإرادتهم ، ولم يستحقّوا بها مدحاً ولا ذمّاً ؛ لاختصاصهما بما يصدر عن المختار بقدرته وإرادته وإذا كان كذلك لبطل الأمر والنهي ؛ لقبح مخاطبة غير القادر بهما ولم يكن الوعد والوعيد حينئذٍ بمعني ، وسقط المقصود بهما وبطل الثواب والعقاب ؛ حيث لاينفكّ استحقاقهما عن استحقاق المدح والملامة ، ولو فرض جريان المدح والذمّ واستحقاقهما واستحقاق الإحسان والإثابة والعقوبة وترتّبها على الأفعال الاضطراريّة الخارجة عن القدرة والاختيار لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ، والمحسن أولى بالعقوبة من المسئ ؛ لأنّ في عقوبة المسئ على ذلك التقدير جمع « 1 » بين إلزامه [ بالسيّئة وعقوبته عليها ، وكلّ منعهما إضرارٌ وإزراء به ، وفي إثابة المحسن جمعاً بين إلزامه ] « 2 » بالحسنة وإثابته عليهما . « 3 » وكلّ منهما نفع وإحسان إليه . وفي خلاف ذلك يكون لكلّ منهما نفع وضرر ، وهذا بالعدل أقرب وذلك بخلافه أشبه .
« إنّ اللَّه كلّف تخييراً » أي أمره جاعلًا له مخيّراً بين الفعل والترك بإعطاء القدرة له على الإتيان بما شاء منهما من غير إكراه وإجبار .
« ونهى تحذيراً » وطلباً للاحتراز عن فعل المنهيّ عنه لا بإكراه على الترك .
« وأعطى على القليل كثيراً » ترغيباً للإطاعة وترك المعصية ، ولم يعص ولا يقع العصيان عن طاعته بمغلوبيّته ، بل بما فيه الحكمة من عدم إكراهه وإجباره .
ويحتمل أن يكون المراد لا يقع العصيان بمغلوبيّة العاصي ؛ فإنّه لا عصيان مع عدم الاختيار ، ولا يقع الطاعة له بإكراهه المطيع على الطاعة ؛ فإنّه لا طاعة إلّابالاختيار .
« ولم يملك مفوّضاً » يحتمل أن يكون الفعل من الملك ، أي لم يملك مُلكاً وسلطاناً يفوّض فيه خلق مخلوق - كأفعال العباد - إلى مخلوق مثلهم ، فيكون وجودهم مستنداً إليهم لا إليه سبحانه .
ويحتمل أن يكون من الإملاك ، أي لم يُعط السلطنة للعباد على أفعالهم مفوّضاً خلقها إليهم .
هامش
( 1 ) . في المصدر : « جمعاً » .
( 2 ) . ما بين المعقوفتين أضفناه من المصدر .
( 3 ) . في المصدر : « عليها » .