إِدْرَاكاً بِالْمُدَاخَلَةِ ، وَإِدْرَاكاً بِالْمُمَاسَّةِ ، وَإِدْرَاكاً بِلَا مُدَاخَلَةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ .
فَأَمَّا الْإِدْرَاكُ الَّذِي بِالْمُدَاخَلَةِ ، فَالْأَصْوَاتُ وَالْمَشَامُّ وَالطُّعُومُ .
وَأَمَّا الْإِدْرَاكُ بِالْمُمَاسَّةِ ، فَمَعْرِفَةُ الْأَشْكَالِ مِنَ التَّرْبِيعِ وَالتَّثْلِيثِ ، وَمَعْرِفَةُ اللَّيِّنِ وَالْخَشِنِ ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ .
وَأَمَّا الْإِدْرَاكُ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَلَا مُدَاخَلَةٍ ، فَالْبَصَرُ ؛ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَلَا مُدَاخَلَةٍ فِي حَيِّزِ غَيْرِهِ وَلَا فِي حَيِّزِهِ ، وَإِدْرَاكُ الْبَصَرِ لَهُ سَبِيلٌ وَسَبَبٌ ، فَسَبِيلُهُ الْهَوَاءُ ، وَسَبَبُهُ الضِّيَاءُ ، فَإِذَا كَانَ السَّبِيلُ مُتَّصِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْئِيِّ وَالسَّبَبُ قَائِمٌ ، أَدْرَكَ مَا يُلَاقِي مِنَ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْخَاصِ ، فَإِذَا حُمِلَ الْبَصَرُ عَلى مَا لَاسَبِيلَ لَهُ فِيهِ ، رَجَعَ رَاجِعاً ، فَحَكى مَا وَرَاءَهُ ، كَالنَّاظِرِ فِي الْمِرْآةِ لَايَنْفُذُ بَصَرُهُ فِي الْمِرْآةِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ ، رَجَعَ رَاجِعاً يَحْكِي مَا وَرَاءَهُ ، وَكَذلِكَ النَّاظِرُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي ، يَرْجِعُ رَاجِعاً فَيَحْكِي مَا وَرَاءَهُ ؛ إِذْ لَاسَبِيلَ لَهُ فِي إِنْفَاذِ بَصَرِهِ .
فَأَمَّا الْقَلْبُ فَإِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الْهَوَاءِ ، فَهُوَ يُدْرِكُ جَمِيعَ مَا فِي الْهَوَاءِ وَيَتَوَهَّمُهُ ويتمثّله ، « 1 » فَإِذَا حُمِلَ الْقَلْبُ عَلى مَا لَيْسَ فِي الْهَوَاءِ مَوْجُوداً ، رَجَعَ رَاجِعاً فَحَكى مَا فِي الْهَوَاءِ .
فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَحْمِلَ قَلْبَهُ عَلى مَا لَيْسَ مَوْجُوداً فِي الْهَوَاءِ مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ جَلَّ اللَّهُ وَعَزَّ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذلِكَ ، لَمْ يَتَوَهَّمْ إِلَّا مَا فِي الْهَوَاءِ مَوْجُودٌ ، كَمَا قُلْنَا فِي أَمْرِ الْبَصَرِ ، تَعَالَى اللَّهُ أَنْ يُشبه « 2 » خَلْقُهُ .
هديّة :
أورد ثقة الإسلام - طاب ثراه - بإسناده هذا الكلام عن هشام بن الحكم في ذيل هذا الباب لمناسبته أحاديث الباب .
( ولا في حيّزه ) أي ولا يداخله غيره في حيّزه .
ولعلّ مراده من قوله : ( فأمّا القلب فإنّما سلطانه على الهواء ، فهو يدرك جميع ما في الهواء ويتوهّمه ويتمثّله ) إنّ القلب إنّما يدرك بسبب إدراكه بواسطة الحواس الظاهريّة
هامش
( 1 ) . في الكافي المطبوع : - / « ويتمثّله » .
( 2 ) . في الكافي المطبوع : « أن يشبهه » .