والمراد هنا من الفريضة مسائل فروع الفقه ، وهي انتهت في الإبانة ، وعلم بها حكم الأفعال الشخصيّة . فالمعنى أو العلم بما يكون فيه القطع الإلهيّ وفصله بحكم متعلّق بفعل مخصوص من أفعال المكلّفين بلا واسطة قاعدة كلّيّة يستنبط منه أحكام أفراد الأفعال ، و « الفريضة » بهذا المعنى « عادلة » من محكمات القرآن ليست فيها كوجوب الأربع للظهر واستحباب أحد عشر في السَّحَر .
« أو سنّة قائمة » أي طريقة بيّنة ، وقواعد أصليّة ظاهرة ، يعلم بواسطتها الأحكام المتعلّقة بالأفعال الشخصيّة التي لا يظهر القطع الإلهي وفصله فيها بدون تلك الطريقة ، والقواعد الأصليّة ، يعني مسائل أصول الفقه ، كالعمل في مسألة مشتبهة بظاهر القرآن لو أمكن لكن بدون القضاء والإفتاء ، وكالعمل بالخبر الواحد الصحيح لو لم يمكن بظاهر القرآن ، وكغير ذلك من الأصول الفقهيّة الثابتة عندنا . والمصنّف طاب ثراه أشار إلى القسم الثالث في الخطبة بقوله : « بالآثار الصحيحة والسنن القائمة » .
« وما خلاهنّ فهو فضل » أي زيادة بلا طائل ، لا يضرّ من جهله ، ولا ينفع من علمه .
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله :
« ذلك علمٌ لا يضرّ من جهله ، ولا ينفع من علمه » أي لا يتضرّر أحد بجهله ، ولا يكون بفقدانه سَيِّئ الحال ، ولا يترتّب نفع على حصول ذلك العلم وإن كان في نفسه نوع فضيلة .
وما هذا شأنه لا يعتدّ به ، ولا ينبغي أن يعدّ من العلوم ؛ فإنّ ما يُحتاج إليه من العلوم وما ينتفع به كثير لا مجال للاشتغال عنها بمثل ذلك العلم .
« إنّما العلم » أي الحقيق بأن يعدّ علماً هو العلم المحتاج إليه والمنتفع به في الدِّين والدنيا ، وهو « ثلاثة » أقسام :
العلم بآية محكمة من الكتاب بمعرفة ما فيها من المعارف والأحكام . و « الآية المحكمة » هي التي لم تكن منسوخة ، ولا محتاجة إلى التأويل .
أو العلم بفريضة عادلة . والمراد ب « الفريضة » ما أوجبه اللَّه تعالى بخصوصه ، سواء علم وجوبه بالمحكمات من الآيات أو بطريق آخر ، أو الفريضة الواجب مطلقاً .
والمراد ب « العادلة » : القائمة ، أي الباقية الغير المنسوخة .
وقيل : الفريضة العادلة : المعدّلة على السهام المذكورة في الكتاب والسنّة . « 1 »
هامش
( 1 ) . راجع : شرح المازندراني ، ج 2 ، ص 23 .