فأمّا الحديث الذي أشار إليه هو أنّ الصادق عليه السلام سُئل عن العرش والكرسيّ ، ما هما ؟
فقال : « العرش في وجه هو جملة الخلق ، والكرسيّ وعاؤه . وفي وجه آخر : العرش هو العِلْم الذي أطْلع اللَّه عليه أنبياءه ورسله وحججه عليهم السلام ، والكرسيّ هو العلم الذي لم يُطْلِع عليه أحداً من أنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام « 1 » » .
ف « جملة الخلق » سواء قرئ بالجيم ، أو بغير المنقوطة : منها الجنّات بحورها وقصورها وأنهارها ، وهي روضات جسمانيّة نورانيّة .
والإضافة في « من نوره » للتشريف والتكريم ، كما في
« نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي »
« 2 »
*
، و « عيسى روح اللَّه » . « 3 » أو كلمة « من » ابتدائيّة للسببيّة ؛ إشارةً إلى أنّه خالق من بحت « 4 » العدم من غير واسطة شيء آخر من مادّة وغيرها .
وقال بعض المعاصرين : أي من نور ذاته الذي هو عين ذاته . « 5 »
( فقال له : أدبر فأدبر ، ثمّ قال له : أقبل فأقبل ) . قد علم بيانه ببيان الأوّل مفصّلًا . ولا منافاة بين الحديثين بحسب تقديم الأمر بالإقبال في الأوّل ، والعكس في الثاني ؛ لما سبق ذكره .
بيانه : أنّ الأمر بالنظر إلى عظمة الخالق تعالى بقدر الطاقة ، ثمّ بالنظر إلى عجز المخلوق يلزمهما الأمر ثالثاً بما أمر به أوّلًا ، للمعرفة والإقرار بالعبوديّة . وكذا الأمر بإدبار الجهل ؛ يعني بالنظر إلى مخلوقيّته وعجزه ، ثمّ الأمر بملاحظة عظمة خالقه لا يكونان إلّابعد الأمر أوّلًا بملاحظته ما أمر به ثالثاً ، فلظهور الأمر اكتفى أبو جعفر عليه السلام في الحديث السابق ، وأبو عبداللَّه عليه السلام في هذا الحديث ، وأمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه في
هامش
( 1 ) . معاني الأخبار ، ص 29 ، باب معنى العرش والكرسي ، ح 2 ؛ وعنه في البحار ، ج 55 ، ص 28 ، ح 47 .
( 2 ) . الحجر ( 15 ) : 29 ؛ ص ( 38 ) : 72 .
( 3 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 306 ، باب الحسد ، ضمن ح 3 .
( 4 ) . في « الف » : « تحت » .
( 5 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 61 .