الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ »
« 1 »
*
، والاستثناء على هذا في قوله تعالى في سورة الجنّ :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ »
« 2 » متّصل . و « لا يعلم الغيب إلّااللَّه » ، بمعنى لا يعلم الغيب بدون توقيف إلّااللَّه . والمراد ب « السرّ » : الكلام المنزّل منه تعالى إلى أنبيائه ورسله ، وهو المستور عن غير المنزل عليه عند نزوله .
وبيان ذلك أنّ مضمون الكلام الإلهي الذي هو من أسراره قسمان : ما هو الغيب ، مثل
« وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ »
« 3 » ؛ وما ليس هو بالغيب ، مثل :
« سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ »
« 4 » . والغيب أيضاً قسمان : ما في متشابهات الكتاب ؛ وما في المحكمات .
« إماماً بيّناً » بكسر الهمزة . « وأماماً قيّماً » بفتحها ، بمعنى سيّد القوم ومقدّمهم .
« حجج اللَّه » ، بتقدير : « هُمْ حجج اللَّه » .
قال ثقة الإسلام طاب ثراه :
أَمَّا بَعْدُ ، فَقَد فَهِمْتُ يَا أَخِي مَا شَكَوْتَ مِنِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ دَهْرِنَا عَلَى الْجَهَالَةِ ، وَتَوَازُرِهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي عِمَارَةِ طُرُقِهَا ، وَمُبَايَنَتِهِمُ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ ، حَتّى كَادَ الْعِلْمُ مَعَهُمْ أَنْ يَأْرِزَ كُلُّهُ ، وَتَنْقَطِعَ مَوَادُّهُ ؛ لِمَا قَدْ رَضُوا أَنْ يَسْتَنِدُوا إِلَى الْجَهْلِ ، وَيُضَيِّعُوا الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ .
وَسَأَلْتَ : هَلْ يَسَعُ النَّاسَ الْمُقَامُ عَلَى الْجَهَالَةِ ، وَالتَّدَيُّنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، إذْ كَانُوا دَاخِلِينَ فِي الدِّينِ ، مُقِرِّينَ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ عَلى جِهَةِ الْاسْتِحْسَانِ وَالنُّشُوءِ « 5 » عَلَيْهِ ، والتَّقْلِيدِ لِلْآبَاءِ وَالْأَسْلَافِ وَالْكُبَرَاءِ ، وَالْاتِّكَالِ عَلَى عُقُولِهِمْ فِي دَقِيقِ الْأَشْيَاءِ وَجَلِيلِهَا ؟
فَاعْلَمْ يَا أَخِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالى - خَلَقَ عِبَادَهُ خِلْقَةً مُنْفَصِلَةً مِنَ الْبَهَائِمِ فِي الْفِطَنِ وَالْعُقُولِ الْمُرَكَّبَةِ فِيهِمْ ، مُحْتَمِلَةً لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَجَعَلَهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - صِنْفَيْنِ : صِنْفاً مِنْهُمْ أَهْلَ الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ ، وَصِنْفاً مِنْهُمْ أَهْلَ الضَّرَرِ وَالزَّمَانَةِ ؛ فَخَصَّ أَهْلَ الصِّحَّةِ
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 44 ؛ يوسف ( 12 ) : 102 .
( 2 ) . الجن ( 72 ) : 26 و 27 .
( 3 ) . الروم ( 30 ) : 3 .
( 4 ) . الرعد ( 13 ) : 2 .
( 5 ) . في « ب » و « ج » : « والسبق » .