مشتركاً ولا معلوماً ببرهان عقلي محض ضروريّاً لأحد من الإنس والجنّ ، فطريق العلم به منحصر في توقيف « 1 » اللَّه تعالى وإعلامه رسوله عليه السلام لتأخذ الامّة عنه بواسطة أو بدونها .
والإيمان بالغيب عبارة عن الإقرار بهذا الاختصاص وتصديقه ، وهو مناط الانتفاع بالكتاب الإلهي وأنبياء اللَّه ورسله ، كما قال تبارك وتعالى في سورة البقرة :
« ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ »
« 2 » ؛ إبطالًا لقول زنادقة الفلاسفة والصوفيّة ومن قال بمقالتهما . وهم بعد جعلهم من عندهم أربع مراتب للنفس الناطقة :
العقل الهيولائي ، والعقل بالملكة ، والعقل المستفاد ، والعقل بالفعل : زعموا أنّ غير الضروريّات المشتركة ، وكذا غير المعلوم ببرهان عقليّ محض يصير ضروريّاً عند صاحب النفس القدسيّة وأهل المكاشفة « 3 » بالرياضة ، ولإبطال زعمهم قال اللَّه تبارك وتعالى في سورة النمل :
« قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ »
« 4 » ، وفي الحديث عن الصادق عليه السلام كما يجيء في كتاب الحجّة في باب الخامس والأربعين ، باب نادر فيه ذكر الغيب : « يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب ؛ لا يعلم الغيب إلّااللَّه ، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي ، فما علمت في أيّ بيوت الدار هي » . « 5 »
ويظهر من هذا التقرير : أنّ غير البديهي إن لم يكن محسوساً أو مبرهناً ببرهان عقليّ محض في وقت ثمّ يصير كذلك ، ففي الوقت الأوّل غيب « 6 » لا في الوقت الثاني ، وكذا إذا لم يكن كذلك عند شخص دون شخص ، فغيب للأوّل دون الثاني ، والمعلوم بتوقيف « 7 » اللَّه وإعلامه حججه عليهم السلام قد يطلق عليه الغيب في الوقتين ، وقد يُطلق عليه الغيب في الوقت الأوّل ، والأوّل يوافق قوله تعالى في سورة آل عمران ، وسورة يوسف :
« ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ *
هامش
( 1 ) . في « الف » : « توفيق » .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 2 و 3 .
( 3 ) . في « الف » : « المكاسبة » .
( 4 ) . النمل ( 27 ) : 65 .
( 5 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 257 ، ح 3 .
( 6 ) . في « الف » : « غيبه » .
( 7 ) . في « الف » : « بوقتين » .