شرح « 1 »
قوله تعالى في سورة البقرة :
« كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً »
.
قال البيضاوي :
أي متّفقين على الحقّ فيما بين آدم وإدريس ، أو نوح ، أو بعد الطوفان . أو متّفقين على الجهالة والكفر في فترة إدريس ، أو نوح ،
« فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ »
؛ أي اختلفوا ، فبعث اللَّه . وإنّما حذف لدلالة قوله :
« فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ »
، وقوله :
« وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا »
. « 2 » أقول : قوله عليه السلام : ( كان قبل نوح امّة ضلال ) يدلّ على أنّ المراد بالوحدة الاتّفاق على الكفر والضلالة ، لا على الحقّ ، كما زعمه البيضاوي أوّلًا ، بل هو لم يتحقّق بعد ظهور نسل آدم عليه السلام إلى زمن نوح أصلًا .
وقوله : ( فبدا للَّه ) . قال الجوهري : « بدا له في هذا الأمر بداء - ممدود - أي نشأ له فيه رأي » « 3 » انتهى .
وهذا بحسب اللغة ، وأمّا البداء بالنسبة إليه تعالى ، فحدوث الإرادة مجازاً ، كما في سائر صفاته . وتحقيقه أنّ إطلاق الصفات وإجراؤها على اللَّه سبحانه باعتبار الغايات ، لا المبادئ .
وقوله : ( لم يزل ) مقول القول ؛ يعني ليس الأمر كما يقولون : إنّ اللَّه تعالى قدّر الأمور في الأزل ، وقد فرغ منها ، فلا يتغيّر تقديراته تعالى ، بل للَّهالبداء فيها بالمعنى الذي ذكرناه ،
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
. « 4 » وقال الفاضل الإسترآبادي :
قوله « فبدا للَّه » إلى آخره ؛ أي فحدثَتْ للَّهإرادة متعلّقة ببعث نوح عليه السلام ومن بعده من الأنبياء لهداية الناس ، فإرادة اللَّه تعالى حادثة ، وليست قديمة كما زعمت الفلاسفة ، ومُولِعوا فنّ الكلام من علماء الإسلام ، وكيف تكون قديمة ، وفي ليلة القدر من كلّ سنة يقدّر اللَّه ما يقع في تلك السنة ، والبداء في حقّه تعالى حدوث إرادته ، وفي حقّ
هامش
( 1 ) . في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 189 : « [ السند ] مجهول » .
( 2 ) . تفسير البيضاوي ، ج 1 ، ص 496 .
( 3 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 2278 ( بدا ) .
( 4 ) . الرعد ( 13 ) : 39 .