« الْحَمْدُ لِلَّهِ أَهْلِ الْحَمْدِ وَوَلِيِّهِ ، وَمُنْتَهَى الْحَمْدِ وَمَحَلِّهِ ، الْبَدِيءِ الْبَدِيعِ ، الْأَجَلِّ الْأَعْظَمِ ، الْأَعَزِّ الْأَكْرَمِ ، الْمُتَوَحِّدِ بِالْكِبْرِيَاءِ ، وَالْمُتَفَرِّدِ بِالْآلَاءِ ، الْقَاهِرِ بِعِزِّهِ ، وَالْمُتَسَلِّطِ « 1 » بِقَهْرِهِ ، الْمُمْتَنِعِ بِقُوَّتِهِ ، الْمُهَيْمِنِ بِقُدْرَتِهِ ، وَالْمُتَعَالِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ بِجَبَرُوتِهِ ، الْمَحْمُودِ بِامْتِنَانِهِ وَبِإِحْسَانِهِ ، الْمُتَفَضِّلِ بِعَطَائِهِ وَجَزِيلِ فَوَائِدِهِ ، الْمُوَسِّعِ بِرِزْقِهِ ، الْمُسْبِغِ بِنِعْمَتِهِ . « 2 »
نَحْمَدُهُ عَلى آلَائِهِ ، وَتَظَاهُرِ نَعْمَائِهِ ، حَمْداً يَزِنُ عَظَمَةَ جَلَالِهِ ، وَيَمْلَأُ قَدْرَ آلَائِهِ وَكِبْرِيَائِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، لَاشَرِيكَ لَهُ ، الَّذِي كَانَ فِي أَوَّلِيَّتِهِ مُتَقَادِماً ، وَفِي دَيْمُومِيَّتِهِ مُتَسَيْطِراً ، خَضَعَ الْخَلَائِقُ لِوَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَقَدِيمِ أَزَلِيَّتِهِ ، وَدَانُوا لِدَوَامِ أَبَدِيَّتِهِ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَخِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، اخْتَارَهُ بِعِلْمِهِ ، وَاصْطَفَاهُ لِوَحْيِهِ ، وَائْتَمَنَهُ عَلى سِرِّهِ ، وَارْتَضَاهُ لِخَلْقِهِ ، وَانْتَدَبَهُ لِعَظِيمِ أَمْرِهِ ، وَلِضِيَاءِ مَعَالِمِ دِينِهِ وَمَنَاهِجِ سَبِيلِهِ وَمِفْتَاحِ وَحْيِهِ ، وَسَبَباً لِبَابِ رَحْمَتِهِ ، ابْتَعَثَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، وَهَدْأَةٍ مِنَ الْعِلْمِ ، وَاخْتِلَافٍ مِنَ الْمِلَلِ ، وَضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ ، وَجَهَالَةٍ بِالرَّبِّ ، وَكُفْرٍ بِالْبَعْثِ وَالْوَعْدِ ، أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ ، رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، بِكِتَابٍ كَرِيمٍ ، قَدْ فَضَّلَهُ ، وَفَصَّلَهُ ، وَبَيَّنَهُ ، وَأَوْضَحَهُ ، وَأَعَزَّهُ ، وَحَفِظَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَهُ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٍ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، ضَرَبَ لِلنَّاسِ فِيهِ الْأَمْثَالَ ، وَصَرَّفَ فِيهِ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَعْقِلُونَ ، أَحَلَّ فِيهِ الْحَلَالَ ، وَحَرَّمَ فِيهِ الْحَرَامَ ، وَشَرَعَ فِيهِ الدِّينَ لِعِبَادِهِ ، عُذْراً وَنُذْراً ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ، وَيَكُونَ بَلَاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ .
فَبَلَّغَ رِسَالَتَهُ ، وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ ، وَعَبَدَهُ حَتّى أَتَاهُ الْيَقِينُ ، صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً .
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَأُوصِي نَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ ، الَّذِي ابْتَدَأَ [ بَدْأَ ] « 3 » الْأُمُورَ بِعِلْمِهِ ، وَإِلَيْهِ يَصِيرُ غَداً مِيعَادُهَا ، وَبِيَدِهِ فَنَاؤُهَا وَفَنَاؤُكُمْ ، وَتَصَرُّمُ أَيَّامِكُمْ ، وَفَنَاءُ آجَالِكُمْ ، وَانْقِطَاعِ مُدَّتِكُمْ ، فَكَأَنْ قَدْ زَالَتْ عَنْ قَلِيلٍ عَنَّا وَعَنْكُمْ ، كَمَا زَالَتْ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَاجْعَلُوا عِبَادَ اللَّهِ اجْتِهَادَكُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا التَّزَوُّدَ مِنْ يَوْمِهَا الْقَصِيرِ لِيَوْمِ الْآخِرَةِ الطَّوِيلِ ؛ فَإِنَّهَا دَارُ عَمَلٍ ، وَالْآخِرَةَ دَارُ الْقَرَارِ وَالْجَزَاءِ .
فَتَجَافَوْا عَنْهَا ؛ فَإِنَّ الْمُغْتَرَّ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا ، لَنْ تَعْدُوَالدُّنْيَا إِذَا تَنَاهَتْ إِلَيْهَا أُمْنِيَّةُ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا ،
هامش
( 1 ) . في الطبعة القديمة : « والمسلّط » .
( 2 ) . في الطبعة القديمة : « بنعمه » .
( 3 ) . في الطبعة القديمة : - « [ بدأ ] » .