تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البضاعة المزجاة — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
وتوصيفاً بالصفاء ؛ لبيان خلوصها عمّا يلزم تلك المرّة غالباً من الأخلاق الذميمة والتخيّلات الفاسدة . « 1 » وقيل : يمكن أن يُراد بها الخلط الأسود الصافي . وقال : إنّه أصلح وأنفع بحال الإنسان في حدّة الطبع ودقّة النظر ، وأن يكون كناية عن القوّة الغضبيّة الصافية عن رذيلتي الإفراط والتفريط ، ويعبّر عنه بالشجاعة . « 2 » وقوله : ( حتّى يقرّ له بالبَداء ) . ق ال الجوهري في باب الناقص : « بدا له في هذا الأمر بداء - ممدود - أي نشأ له فيه رأي » . « 3 » وأقول : هذا بحسب اللغة ، ومتى نسب البداء إلى المخلوق أريد هذا المعنى ، وإذا نسب إلى الخالق أريد لازمه ، وغايته المترتّبة عليه ، كما في سائر صفاته تعالى . وتحقيق القول فيه : أنّ الأمور كلّها - عامّها وخاصّها ، ومطلقها ومقيّدها ، ومنسوخها وناسخها ، مفرداتها ومركّباتها ، إخباراتها وإنشآءاتها - بحيث لا يشذّ عنها شيء منتقشة في اللوح ، والفائض منه على الملائكة والأنبياء قد يكون الأمر العامّ أو المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة البالغة من الفيضان في ذلك الوقت ، ويتأخّر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه ، ويعبّر عن كلّ هذا اللوح بكتاب المحو والإثبات . والبداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب من إثبات ما لم يكن مثبتاً ، ومحو ما أثبت فيه . وما قيل من أنّه عبارة عن إيجاد الأشياء كلًّا في وقته بتقدير وتدبير وإرادة حادثة لمصلحة لا يعلمها إلّاهو « 4 » ، فبعيد عن التحقيق ، وعمّا يفهم من فحاوي الأخبار . وبالجملة : الإقرار بالبداء إقرار بأصول الإيمان وأركانه من الإقرار بما في كتاب اللَّه وتصديقه وتصديق أنبيائه ورسله وحججه فيما أخبروا به من غير ما أمروا بتبليغه من الشرائع ، إن خصّص البداء بما دون النسخ في الأوامر والنواهي ، وفيما جاؤوا به مطلقاً إن عمّم . وفيه أيضاً ردّ على اليهود حيث قالوا : إنّ اللَّه تعالى فرغ من الأمر بحيث لا يريد ، ولا يقدّر ، ولا يدبّر بعده شيئاً .
هامش
( 1 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 26 ، ص 31 . ( 2 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 183 . ( 3 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 2278 ( بدا ) . ( 4 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 183 .
البضاعة المزجاة — صفحة 499 | محمد حسين بن قارياغدي / حميد الأحمدي الجلفائي