قيل : وصفه تعالى بأسمع السامعين إيماء إلى أنّه ينبغي أن تحبّ من كان كذلك ، أو إن لم أستجب لأحد فإنّما هو لعدم المحبّة ، وإلّا فأنا أسمع السامعين . والأوّل أظهر . « 1 » انتهى .
ولا يخفى بُعد التوجيهين ، والأقرب أن يُقال : إنّه ترغيب في طلب جميع الخيرات منه تعالى ، والتيقّن بحصولها ؛ لأنّ عدم الحصول إمّا لعدم سماع المدعوّ ، أو لعدم الاستجابة ، والبخل بها مع سماعه ، وكلاهما منتف عنه سبحانه .
وقوله : ( فلا يهلكوا إلّاوهم يعلمون ) أي إن هلكوا ، وضلّوا ، وأصرّوا على المعاصي بعد التخويف والإنذار ، هلكوا بعد البيّنة ، وإلزام الحجّة عليهم .
وهذا نظير قوله تعالى :
« لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ »
. « 2 »
وقوله : ( فكلّ هذا ) أي كلّ من السَبُّع والموت .
( أنا خلقته ، فإيّاي فارهبون ) ؛ فإنّ الخالق أولى بأن يكون مرهوباً منه من المخلوق .
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى :
« فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ »
« 3 » :
أي فيما تأتون ، وتذرون ، وهو آكد في إفادة التخصيص من
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
؛ لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول ، والفاء الجزائيّة الدالّة على تضمّن الكلام معنى الشرط ، كأنّه قيل : إن كنتم راهبين شيئاً فارهبوني . والرهبة خوفٌ معه تحرّز ، والآية متضمّنة للوعد والوعيد ، دالّة على أنّ المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلّااللَّه تعالى . « 4 »
وقوله : ( غضبُ المغضبين ) بفتح الضاد ، من أغضبه ، فهو مُغضِب ، وذاك مُغضَب .
وقوله : ( اذكرني في نفسك ) ؛ يعني في قلبك ، ولا تغفل عنّي .
( أذكرك في نفسي ) ؛ كأنّه من باب المشاكلة ، أي عاملتك معاملة المذكورين ، لا المنسيّين .
وقيل : أي أفيض عليك من رحماتي الخاصّة من غير أن يطّلع عليها غيري . « 5 » قال الفيروزآبادي : « النفس : الجسد ، والعند .
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
« 6 » ؛
هامش
( 1 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 330 .
( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 42 .
( 3 ) . النحل ( 16 ) : 51 .
( 4 ) . تفسير البيضاوي ، ج 1 ، ص 310 .
( 5 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 330 .
( 6 ) . المائدة ( 5 ) : 116 .