وتركها لأهلها ) ؛ هم الراغبون إليها ، المفتونون بزخارفها .
وصارت رغبته فيما عند إلهه ) ؛ من المثوبات والكرامات ورفيع الدرجات . وقيل : أشار بقوله : « ودّع الأهل . . . » إلى أعلى درجات الزهد ، ورغبته في تحصيله حيث أمَره أوّلًا بوداع الأهل ، والميل إلى سفر الآخرة ، وتفويض حالهم إلى ربّهم ؛ لأنّ الاشتغال بأمورهم مانع من هذا السفر . وثانياً : بقلي الدُّنيا وبغضها ؛ لأنّ محبّتها أيضاً مانعة . وثالثاً : بتركها لأهلها الراغبين إليها ؛ لأنّ بغضها مع عدم تركها أيضاً مانع . ورابعاً : بالرغبة فيما عند اللَّه من قربه وإحسانه . فإذا حصلت هذه المراتب لأحد دخل في مقام المحبّة ، وهو ما دام في هذه الدار ، لا يخلو عن فراقٍ مّا من المحبوب ، وكان شأنه البكاء ، فلذلك أمره ببكاء من كان على الوصف المذكور ، فلذلك قيل : العارفون المحبّون يبكون شوقاً إلى المحبوب ، والمذنبون يبكون من خوف الذنوب . « 1 » وقوله : كُن مع ذلك تُلين الكلام ) . « 2 » الإلانة والتليين واحد ، ومعناه : لا يكن زهدك سبباً لنفرتك عن الخلق ، وهجرتك منهم ، وسوء الخلق معهم ، بل كُن مع الزهد خليقاً مع كلّ أحدٍ .
وتُفشي السلام ) إلى كلّ مَن تلقاه إلّاما استثني . يُقال : فشا خبره ، إذا انتشر . وأفشاه ، أي نشره . وقوله : يقظانَ ) بالنصب ، خبر آخر لقوله : « كُن » ، وهو غير منصرف للوصفيّة ، والألف والنون المزيدتين ، ووجود فَعلى في مؤنّثه كما ستعرفه . وترك العطف في الأخبار المتعدّدة جائز مع رعاية عدم التناسب ، وعدم قصد الاشتراك في الإعراب .
في القاموس : « اليقظة ، محرّكة : نقيض النوم . وقد يَقُظ - ككرم وفرح - يقاظة ويَقظاً ،
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 99 .
( 2 ) . في الحاشية : « احتمال كون تلين وتفشي على صيغة المصدر المضاف إلى الفاعل من باب التفعّل بعيد غاية البُعد ، مع عدم استقامته إلّابتكلّف . فتأمّل » .