وقوله : احكُم في عبادي بنُصحي ) . النُّصح ، بالضمّ : الخلوص ، وإرادة خير المنصوح . ولعلّ المراد هنا شرائع الدِّين وقوانينه ؛ أي احكم بينهم على ما علّمتك من قوانين الحكومة ، أو بأحكام شرائع ديني ، على أن يكون الباء للبيان ، أو للإلصاق . وفيه إيماء إلى النهي عن الحكم بالتظنّي والرأي والقياس والاستحسانات العقليّة . وقيل : معناه : احكم بينهم لنصحي لهم ، أو كما أنّي لك ناصح فكُن أنت ناصحاً لهم . « 1 » وقيل : أي بنصح لي ، من باب الحذف والإيصال . « 2 » وقُم فيهم بعدلي ) أي بالحكم العدل الذي جعلت لهم لدفع الظلم والجور . وقوله : شفاءً لما في الصدور من مرض الشيطان ) . المراد بالشفاء العدل ، أو الكتاب المشتمل عليه ، والحقائق الحكميّة التي بها يتمّ نظام المعاش والمعاد . والمرض : إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها ، وإضافته إلى الشيطان لحصوله من وساوسه ، وكون الحِكَم الشرعيّة شفاء منه ؛ لأنّ مرض الوسواس في صدور الناس إمّا في أمر الدِّين ، أو الأمور المتعلّقة بالدُّنيا ، وقد انزل إلى الحكماء الإلهيّة من العلوم والحِكَم ما يعالج به جميعها . وقوله : لكلّ مفتون ) أي المبتلى بالدُّنيا ، أو بالمعصية . وقوله : حقّاً أقول ) . نصب « حقّاً » بما بعده ؛ أي أقول قولًا حقّاً . أو بفعل مقدّر قبله ، وما بعده مفسّر له . ثمّ بيّن ذلك القول الحقّ ، فقال : ما آمنت بي خليقة إلّاخشعت لي ) . الخليقة : الخلائق . يُقال : هم خليقة اللَّه ، وهم خَلْق اللَّه . والخشوع : التطاول ، والتواضع . وقيل : مبدأه العلم بأنّ كلّ موجود مقهور في تصريف قدرته تعالى ، ومربوط بربقة الحاجة إليه ؛ فإنّ هذا العلم يوجب تخشّعه وتخضّعه في أفعاله القلبيّة والبدنيّة ، وإقباله إليه تعالى . « 3 »
هامش
( 1 ) . قاله العلامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 316 .
( 2 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 98 .
( 3 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 12 ، ص 98 .