وقيل : فيه تنبيه على أنّهم ارتدّوا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله ، ولم يكونوا من أهل الدين والتقوى . « 1 » أقول : لا شكّ في ارتداد أكثرهم ، ولكن في التنبيه نظر .
( والذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ) .
قيل : هذا إشارة إلى أنّهم كما عادت بليّتهم بعد النبيّ صلى الله عليه وآله كذلك تعود بعده . « 2 » فتأمّل .
قال الفيروزآبادي : « البلبلة والبلابل : اختلاط الألسنة ، وتفريق الآراء ، وشدّة الهمّ والوساوس » . « 3 » وقال بعض الشارحين : البلبلة : « البليّة أيضاً ؛ أي لتخلّطُنّ اختلاطاً في ألسنتكم ، أو لتفرّقنّ افتراقاً في آرائكم ، أو لتُبتَلُنَّ ببليّةٍ شديدة ، وتحرّكن بالشدائد » . « 4 » وقال ابن ميثم : « هي إشارة إلى ما يُوقع بهم بنو اميّة وأضرابهم من امراء الجور من الفتن المزعجة والبلايا المتراكمة ، وخلط بعضهم ببعض ، وخفض أكابرهم ، ورفع أراذلهم » . « 5 »
هذا كلامه ، وأنت خبير بأنّ هذا التخصيص لا مخصّص له ، فالصواب تعميم الامتحان والاختبار بحيث يشمل الفتن كائناً ما كان من اختلاف الأحوال واختلاط الأوضاع .
( ولتُغربلُنَّ غَربلةً ) .
في القاموس : « غَرْبَلَهُ : نَخَلَهُ ، وقطعه . والقوم : قتلهم ، والغِربال بالكسر : ما يُنخل به » . « 6 » قيل :
الظاهر أنّها هنا مأخوذة من الغِربال ، ويجوز أن تكون من قولهم : « غَربلتُ اللحم ، أي قطعته » ، فعلى الأوّل الظاهر أنّ المراد تمييز جيّدهم من رديّهم ، ومؤمنهم من منافقهم ، وصالحهم من طالحهم بالفتن التي تعرض لهم ، كما أنّ في الغربال يتميّز اللبّ من النخالة . وقيل : المراد خلطهم ؛ لأنّ غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض . « 7 » وعلى الثاني لعلّ المراد تفريقهم وقطع بعضهم من بعض . وقال ابن ميثم : « هو كناية عن التقاط آحادهم ، وقصدهم بالقتل والأذى ، كما فعلوا بكثير من الصحابة والتابعين » . « 8 » انتهى .
فعلى هذا شبّه عليه السلام ذلك بغربلة الدقيق ، واستعار له لفظها .
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 390 .
( 2 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 390 .
( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 337 ( بلبل ) مع التلخيص .
( 4 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 390 .
( 5 ) . راجع : شرح نهج البلاغة لابن ميثم ، ج 1 ، ص 296 - 300 .
( 6 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 24 ( غربل ) .
( 7 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 153 .
( 8 ) . راجع : شرح نهج البلاغة لابن ميثم ، ص 297 و 298 .