وإنّما خصّ الخريف لأنّه أوّل الشتاء ، والسحاب فيه يكون متفرّقاً غير متراكم ولا مطبق ، ثمّ يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك . « 1 » ( يؤلّف اللَّه بينهم ) أي بين هؤلاء ، فيتواقف قلوبهم .
وقال بعض الأفاضل :
نسبة هذا التأليف إليه تعالى مع أنّه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيهاً لعدم منعهم عن ذلك ، وتمكينهم من أسبابه ، وتركهم واختيارهم بتأليفهم ، وحثّهم عليه ، ومثل هذا كثير في الآيات والأخبار . « 2 » أقول : قد مرّ في كتب التوحيد من الأصول ما يوضح من فساد هذا التوجيه ، وأنّ تلك النسبة وأمثالها على سبيل الحقيقة لا المجاز .
( ثمّ يجعلهم رُكاماً كركام السحاب ) . قال الجوهري : « ركم الشيء يركمه ، إذا جمعه ، وألقى بعضه على بعض ، والركام بالضمّ : الرمل المتراكم ، وكذلك السحاب وما أشبهه » . « 3 » ( ثمّ يفتح لهم أبواباً يسيلون من مستشارهم ) . أي موضع مشورتهم ، وهو موضع الاجتماع لتحقيق الصواب في الآراء ، مَفعَلة من الإشارة .
وفي بعض النسخ : « مستثارهم » بالثاء المثلّثة ، أي موضع ثورانهم وهيجانهم ووثبهم ونهوضهم .
قيل : استعار الأبواب للطرق ، ورشّح بذكر الفتح مع ما فيه من الإيماء إلى أنّ حدّ ملك بني اميّة كأنّها كان عليها سور لشدّة قوّتهم من منع دخول العدوّ فيه . « 4 » وقيل : فتح الأبواب كناية عمّا هيّئ لهم من أسبابهم ، وما سنح لهم من تدبيراتهم المصيبة ، ومن اجتماعهم وعدم تخاذلهم . « 5 » وقال الفاضل الإسترآبادي :
أريد أنّ الشيعة بعد اجتماعهم على أبي مسلم يتفرّقون إلى البلاد من محلّ ثورانهم لقمع امراء بني اميّة من البلاد ، وفيه استعارة تبعيّة حيث شبّه سيرهم في البلاد بالسيل الجاري
هامش
( 1 ) . النهاية ، ج 4 ، ص 59 ( قزع ) .
( 2 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 143 .
( 3 ) . الصحاح ، ج 5 ، ص 1936 ( ركم ) .
( 4 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 384 .
( 5 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 143 .