وقال ابن عبّاس ومجاهد وضحّاك : « كانت الأرض خضرة مونقة ، لا يأتي الرجل شجرة إلّا وجد عليها ثمرة ، وكان ماء البحر عذباً ، وكان لا يقصد الأسد البقر ولا الغنم ، فلمّا قتل قابيل هابيل اقشعرّت الأرض ، وشاكت الأشجار ، وصار ماء البحر ملحاً ، وقصد الحيوان بعضها بعضاً » . « 1 » ( وقال عليه السلام : ذاك واللَّه ) أي ظهور الفساد ( حين قالت الأنصار : منّا أمير ، ومنكم أمير ) .
وقال بعض الأفاضل :
لعلّ المراد غصب الخلافة ، أو قول هذه الكلمة القبيحة ، وتركهم خليفة الرسول ، وصار ترك خليفة الحقّ سبباً للضلال الساري في البرّ والبحر ؛ أي المحيط بجميع العالم ، وبسبب عدم استيلاء أهل الحقّ والعدل فشى الجور في البراري والبحار بالظلم والغصب والنهب ، وبسبب استيلاء أهل الباطل مُنعت بركات السماء والأرض عن العباد ، كما قال أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه : « وبنا يفتح اللَّه ، وبنا يختم اللَّه ، وبنا يمحو ما يشاء ، وبنا يثبت ، وبنا يدفع الزمان الكلب ، وبنا ينزل الغيث ، فلا يغرّنّكم باللَّه الغرور ، وما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه اللَّه عزّ وجلّ ، ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ، ولأخرجت الأرض نباتها ، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد ، واصطلحت السباع والبهائم حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلّا على النبات ، وعلى رأسها زينتها لا يهيّجها سبع ولا تخافه » « 2 » . انتهى . « 3 » ثمّ اعلم أنّ جملة القول في تلك الواقعة ما روي أنّه لمّا قبض رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، اجتمعت الصحابة في سقيفة بني النجّار ، فخطبهم سعد بن عبادة وأغراهم بطلب الإمامة ، وكان يريدها لنفسه .
فبلغ الخبر الأوّل والثاني ، فجاءا مُسرعَين ، فتكلّم الأوّل ، فقال للأنصار : ألم تعلموا أنّا معاشر المسلمين أوّل الناس إسلاماً ، ونحن عشيرة رسول اللَّه ، وأنتم الأنصار الذين وزراؤه ، وإخواننا في كتاب اللَّه ، وأحقّ الناس بقضاء اللَّه والتسليم لما ساق اللَّه إلى إخوانكم ، فدعاهم إلى بيعة أبي عبيدة أو الثاني ، فقالا : ما ينبغي لأحدٍ من الناس أن يكون فوقك .
هامش
( 1 ) . تفسير البغوي ، ج 3 ، ص 485 ( مع اختلاف يسير ) .
( 2 ) . الخصال ، ج 2 ، ص 626 ، ضمن الحديث 10 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 10 ، ص 104 ، ح 1 .
( 3 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 130 .