أو من غير التمادي في الغفلة يجزع الصدّيقون من التقصير ؛ لعلمهم بأنّه تعالى مستحقّ للعبادة لذاته ، وإن لم تكن الجنّة والنار .
وقيل : معنى قوله : « من دون هذا » أقلّ من هذا التذكار الذي صرّح وصاح به الكتاب ، يكفي لجزع الصدّيقين ، أي الكاملين في تصديق الأنبياء . « 1 » وقوله : ( يدعوني على ما كان ) أي لأيّ أمر كان ، جليل أو حقير ، مغفرة ذنب أو دفع بلاء أو قضاء حاجة .
ولما كان الاجتهاد في الدعاء وحسن الظنّ باللَّه تعالى أمراً مطلوباً ، ولا يتحقّق إلّابأن يُقرّ الداعي له تعالى بأوصاف مقتضية لهما باعثة عليهما ، أشار إليها بقوله : ( بعد أن يُقرّوا لي أنّي أرحم الراحمين ) ؛ إذ لولا الإقرار به لكان الداعي غافلًا عنه ، أو حاكماً بالتساوي ، أو مرجّحاً رحمة الغير ، أو منكراً لرحمته تعالى ، والكلّ ينافي الاجتهاد وحسن الظنّ باللَّه .
( مُجيب المضطرّين ) ؛ إذ لولا الإقرار به ، لجوّز أن لا يجيبه ؛ لعدم المنافاة بين السلب والإيجاب الجزئيّين ، وهذا يوجب الفتور فيما ذكر .
( وأكشف السوء ) ؛ إذ لولا الإقرار به ، لجوّز أن لا يكشف سوءه ، وهو أيضاً ينافي ما ذكر .
( وابدّل الزمان ، وآتي بالرخاء ) ؛ إذ لم يقرّ بأنّ تبديل الزمان من الرخاء إلى الشدّة وبالعكس ، وإتيان الرخاء منه تعالى ، لجوّز أن يكون ذلك من غيره ، فهذا الغير أولى بالرجوع إليه ، وهو أيضاً مناف لما ذكر .
وكذا الأوصاف الآتية .
( وأشكر اليسير ) . لعلّ المراد : أقبل القليل من العمل .
( واثيب الكثير ) عن العمل .
والكثير إمّا صفة لمصدر محذوف ، أي أثيب الثواب الكثير ، أو مفعول « أثيب » بحذف الموصوف ، أي أثيب العمل الكثير ، والمراد إثابة صاحبه .
وقوله : ( وانضوى إليك ) ؛ أي آوى ، وانضمّ إليك .
قال الجزري : « فيه : ضوى إليه المسلمون . أي مالوا . يقال : ضَوى إليه ضَيّاً وضُوياً
هامش
( 1 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 103 و 104 .