الْآخَرُ يَعْمَلُ بِالْجَوْرِ ، وَيَقْتُلُ أَوْلَادَ الْأَ نْبِيَاءِ ، وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ فِي الْأَ رْضِ بِمَا لَايُحِبُّ اللَّهُ ، وَهُوَ فِي مَوْكِبِهِ وَأَنْتَ عَلى حِمَارٍ ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذلِكَ شَكٌّ ، حَتّى خِفْتُ عَلى دِينِي وَنَفْسِي » .
قَالَ : « فَقُلْتُ : لَوْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ حَوْلِي وَبَيْنَ يَدَيَّ ، وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، لَاحْتَقَرْتَهُ ، وَاحْتَقَرْتَ مَا هُوَ فِيهِ .
فَقَالَ : الآْنَ سَكَنَ قَلْبِي ، ثُمَّ قَالَ : إِلى مَتى هؤُلَاءِ يَمْلِكُونَ ؟ أَوْ مَتَى الرَّاحَةُ مِنْهُمْ ؟
فَقُلْتُ : أَ لَيْسَ تَعْلَمُ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً ؟
قَالَ : بَلى ، فَقُلْتُ : هَلْ يَنْفَعُكَ عِلْمُكَ أَنَّ هذَا الْأَ مْرَ إِذَا جَاءَ كَانَ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ ، إِنَّكَ لَوْ تَعْلَمُ حَالَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَيْفَ هِيَ كُنْتَ لَهُمْ أَشَدَّ بُغْضاً ، وَلَوْ جَهَدْتَ أَوْ جَهَدَ أَهْلُ الْأَ رْضِ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ فِي أَشَدِّ مَا « 1 » هُمْ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ ، لَمْ يَقْدِرُوا ، فَلَا يَسْتَفِزَّنَّكَ الشَّيْطَانُ ؛ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ
« وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ »
« 2 » .
أَ لَاتَعْلَمُ أَنَّ مَنِ انْتَظَرَ أَمْرَنَا ، وَصَبَرَ عَلى مَا يَرى مِنَ الْأَ ذي وَالْخَوْفِ هُوَ غَداً فِي زُمْرَتِنَا ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْحَقَّ قَدْ مَاتَ وَذَهَبَ أَهْلُهُ ، وَرَأَيْتَ الْجَوْرَ قَدْ شَمِلَ الْبِلَادَ ، وَرَأَيْتَ الْقُرْآنَ قَدْ خَلُقَ وَأُحْدِثَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ ، وَوُجِّهَ عَلَى الْأَ هْوَاءِ ، وَرَأَيْتَ الدِّينَ قَدِ انْكَفَأَ كَمَا يَنْكَفِئُ الْمَاءُ ، وَرَأَيْتَ أَهْلَ الْبَاطِلِ قَدِ اسْتَعْلَوْا عَلى أَهْلِ الْحَقِّ ، وَرَأَيْتَ الشَّرَّ ظَاهِراً لَايُنْهى عَنْهُ وَيُعْذَرُ أَصْحَابُهُ ، وَرَأَيْتَ الْفِسْقَ قَدْ ظَهَرَ ، وَاكْتَفَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ .
وَرَأَيْتَ الْمُؤْمِنَ صَامِتاً لَايُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَرَأَيْتَ الْفَاسِقَ يَكْذِبُ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ كَذِبُهُ وَفِرْيَتُهُ ، وَرَأَيْتَ الصَّغِيرَ يَسْتَحْقِرُ « 3 » الْكَبِيرَ ، وَرَأَيْتَ الْأَ رْحَامَ قَدْ تَقَطَّعَتْ ، وَرَأَيْتَ مَنْ يَمْتَدِحُ بِالْفِسْقِ يَضْحَكُ مِنْهُ ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ .
وَرَأَيْتَ الْغُلَامَ يُعْطِي مَا تُعْطِي الْمَرْأَةُ ، وَرَأَيْتَ النِّسَاءَ يَتَزَوَّجْنَ النِّسَاءَ ، وَرَأَيْتَ الثَّنَاءَ قَدْ كَثُرَ ، وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُنْفِقُ الْمَالَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَلَا يُنْهى وَلَا يُؤْخَذُ عَلى يَدَيْهِ .
وَرَأَيْتَ النَّاظِرَ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِمَّا يَرَى الْمُؤْمِنَ فِيهِ مِنَ الاجْتِهَادِ ، وَرَأَيْتَ الْجَارَ يُؤْذِي جَارَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَانِعٌ ، وَرَأَيْتَ الْكَافِرَ فَرِحاً لِمَا يَرى فِي الْمُؤْمِنِ مَرِحاً لِمَا يَرى فِي الْأَ رْضِ مِنَ الْفَسَادِ .
هامش
( 1 ) . في الطبعة الجديدة ومعظم النسخ التي قوبلت فيها : « ممّا » .
( 2 ) . المنافقون ( 63 ) : 8 .
( 3 ) . في الحاشية عن بعض النسخ : « يحقّر » .