وفيه حثّ على ذكر الموت وانتظاره والاستعداد لما بعده .
( أيّها الناس ، لو أنّ الموت يُشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريمُ الأبلج واللئيم المَلهوج ) .
في القاموس : « شراه يشريه : ملكه بالبيع وباعه ، كاشترى فيهما ضدّ » . « 1 » وقال الجوهري :
البُلوج : الإشراق . يقال : بلج يَبلج بالضمّ ، أي أضاء ، وتبلّج فلان إذا ضحك وهشّ ، وصبح أبلج بيّن البَلَج ، أي مُشرق مُضي ، والبُلجة : نقاوة ما بين الحاجبين . يقال : رجل أبلج بيّن البلج ، إذا لم يكن مقروناً .
وفي حديث امّ معبد في صفة النبي صلى الله عليه وآله : « أبلج الوجه » ، أي مُشرقه ، ولم تُرد بلج الحاجب ؛ لأنّها تصفه بالقرن « 2 » . انتهى .
وقوله عليه السلام : « الملهوج » كمنصور ، اسم مفعول من اللهج بتقدير حرف الجرّ ، أي الملهوج به .
قال الجوهري : « اللَهَج بالشيء : الولوع به ، وقد لهج به - بالكسر - يلهج لهجاً ، إذا أغرى به فثابر عليه » « 3 » .
أي واظب وداوم . فيحتمل كونه بضمّ الميم وفتح اللام والواو وسكون الهاء . قال الجوهري : « هوج الرجل أمره لهوجة ، وهو أن لا يبرمه ، وشواء ملهوج إذا لم يُنضج » « 4 » .
والظاهر المراد بالملهوج هنا الحريص الوَلوع بالدنيا .
وقال بعض العلماء :
الكريم الأبلج : هو الذي اشتهر كرمه وظهر . والمَلهوج هو الحريص ، مفعول بمعنى الفاعل كمسعود ، ووجه اشترائهما الموت رضاهما به ؛ لأنّ الكريم إذا اشتهر توجّه الناس إليه بما عجز عن قدر اشتهاره ، وخجل من المنسوب إليه فرضي بالموت . وأمّا الحريص ، فلأنّه لم يبلغ ما حرص عليه ، فلا يزال يُتعب نفسه ويزيد حرصه ، فيتمنّى بذلك الموت . « 5 » وقيل : قد رغّب في توقّع الموت ، ورجّحه على هذه الحياة بالنسبة إلى كلّ أحد ؛ إمّا بالنسبة إلى الكريم ، فلتخلّصه من آلام الدنيا ووصوله إلى نعيم الأبد ، وإمّا بالنسبة إلى اللئيم
هامش
( 1 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 347 ( شري ) .
( 2 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 300 ( بلج ) مع التلخيص واختلاف يسير .
( 3 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 339 ( لهج ) .
( 4 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 340 ( لهج ) .
( 5 ) . الوافي ، ج 26 ، ص 30 ( مع اختلاف يسير ) .