الحريص في الدنيا ، فلتخلّصه منها وممّا يوجب زيادة العقوبة في الآخرة ، وحمل الاشتراء على معنى البيع باعتبار أنّ الكريم يحبّ البقاء للطاعات ، واللئيم يحبّ الدنيا بعيداً جدّاً ؛ لأنّ المقام يقتضي حبّ الموت والترغيب فيه . « 1 » وقال بعض الأعلام :
يمكن أن يوجّه هذا الكلام بوجوه :
الأوّل : أن يكون المراد أنّه لو كان الموت ممّا يمكن أن يشترى ، لاشتراه الكريم لشدّة حرصه في الكرم وقلّة بضاعته ، كما هو الغالب في أصحاب الكرم ، فلا يجد ما يجود به ، وهو محزون دائماً لذلك ، ويتمنّى الموت ويشتريه إن وجده .
واللئيم يشتريه ؛ لأنّه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه ، ويرى الناس في نعمة ، فيحسدهم عليها ، فهو في شدّة لازمة لا ينفكّ عنها بدون الموت ، فيتمنّاه .
الثاني : أن يكون المراد أنّه يشتريه الكريم لنفسه ؛ ليتخلّص منه البائع واللئيم ؛ لأنّه حريص على جمع جميع الأشياء حتّى الموت .
الثالث : أن يقال : إنّه يشتري الكريم لرفع الموت من بين الخلق ، واللئيم ليميت جميعهم ويستبدّ بأموالهم . « 2 » ( أيّها الناس ، إنّ للقلوب شواهدَ تُجري الأنفس عن مَدرجَة أهل التفريط ) .
لعلّ المراد بالشواهد الأعلام والأدلّة الدالّة على طريق الوسط والعدل من النقل والعقل .
وقوله : « تجري » إمّا على صيغة المعلوم من باب الإفعال ، والمستتر فيه راجع إلى الشواهد ، والأنفس مفعوله ؛ أو على صيغة المجرّد المعلوم ، والأنفس فاعله بتقدير العائد الموصوف ، أي تجري الأنفس بها ، و « عن » للبعد والمجاوزة .
قال الجوهري : « المَدرجة : المسلك » « 3 » ؛ يعني أنّ للقلوب شواهد ممّا يفيض عليها من أنوار حكمته تعالى ، أو ممّا جُبلت عليه من معرفة الحقّ وسائر البديهيّات من الوجدانيّات والمشاهدات التي هي أصول اكتساب النظريّات وموادّها ، تُجري تلك الشواهد الأنفس وتسوقها مجاوزة بها ومبعدة إيّاها عن مسلك أهل التفريط والتقصير في اتّباع الحقّ وأهله
هامش
( 1 ) . القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 225 .
( 2 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 48 و 49 .
( 3 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 314 ( درج ) .