الفقر والجهل في العجز عن تحصيل المرام ، وعجز الثاني أشدّ ؛ لأنّه في الدنيا والآخرة ، وعجز الأوّل في الدنيا فقط ، وفي التنفير عن الجهل بجعله من أشدّ أفراد الفقر تنفير عن الفقر أيضاً ، وهذا ينافي ما ورد في مدح الفقر والفقراء والترغيب فيه ، ويمكن دفعه أوّلًا بأنّ المراد بالفقر هنا ما يكسر الظهر ، ويدفع الصبر ، وهو الذي وقع الاستعاذة منه في بعض الروايات .
وثانياً بأنّ المراد به الفقر الظاهري مع الفقر الباطني ، والمتّصف به من جمع فيه فقر الدنيا وعذاب الآخرة .
وثالثاً بأنّ المراد به الفقر المعروف المتنفّر عند الناس ، وهذا القدر كاف في تشبيه الجهل به والتنفير عنه . « 1 » ( ولا واعظ « 2 » أبلغ من النُّصح ) .
النُّصح بالضمّ : إرادة الخير للمنصوح ، وإرشاده إلى مصالحه ، وأصله الخلوص .
وفي القاموس : « نصحه وله - كمنعه - نُصحاً ونصاحة ونصاحية ، والاسم : النصيحة ، ونصح : خلص » . « 3 » وقيل : لعلّ المراد أنّ من ينصح الناس ، ولا يغشّهم ، ويأمرهم بما يصلحهم يتّعظ هو أيضاً بما يعظ به غيره ، فذاك واعظه ، أو من يعظ رجلًا على وجه النصح يؤثّر فيه وإن لم يبالغ في ذلك ، ولم يُطل الكلام ، ومن لم يكن غرضه النصح لا يؤثّر كثيراً وإن أكثر وأطنب فيما يناسب المقام . « 4 » وقيل : المراد من النصح استماع نصائح الكتاب والسنّة ، وكونه أبلغ ؛ لأنّ الواعظ يدعو إلى
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 215 .
( 2 ) . في الحاشية : « الواعظ يدعو إلى الخيرات ، ويمنع عن المنهيّات ، ونصح القرآن والسنّة أبلغ منه ، فهو أولى بالاستماع ؛ لأنّ النداء الربّاني أولى بالإتّباع من النداء الإنساني ، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه بقوله : كيف يُراعي النَّبْأة من أصمّته الصَّيحة [ نهج البلاغة ، ص 51 ، الخطبة 4 ] أي كيف يحفظ الصوت الخفيّ من أصمّته الصيحة الإلهيّة والنبويّة ، استعار عليه السلام النَّبْأة لدعائه لهم وندائه إلى سبيل الحقّ ، والنصيحة لخطاب اللّه ورسوله ، وهي كناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى قوّة دعاء اللّه ، وتقرير ذلك أنّ الصوت الخفي لا يسمع عند القوي لاشتغال الحواسّ به ، وكان كلامه عليه السلام أضعف في جذب الخلق إلى الحقّ من كلام اللّه وكلام رسوله ، فأجراه مجرى الصوت القوي ، وأجرى كلامه مجرى الصوت الخفي ، وإسناد الإصمام إلى الصيحة ترشيح له للاستعارة ؛ إذ من شأن الصيحة الإصمام إذا قرعت السمع . صالح » . شرح المازندراني ، ج 11 ، ص 215 .
( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 252 ( نصح ) .
( 4 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 41 و 42 .